إن التفاوض، كما عبر عنه السياسي والمفكر الإيراني عباس عراقجي في كتابه «قوة التفاوض»، ليس مجرد أداة تقنية لحل النزاعات، بل هو ممارسة حضارية ضاربة الجذور تعود إلى عصور التقاء الحضارات، حين كان «بيت الحكمة» منارة علم وفكر وحوار يلتقي فيه المسلمون والمسيحيون واليهود في مشهد إنساني يعكس وعياً جماعياً بأن الحوار هو أرقى صور القوة الناعمة. لقد أثبت التاريخ أن الحضارات لا تزدهر إلا عندما تختار طريق التفاعل والحوار، وتدرك أن الانتصار الحقيقي لا يُقاس بمساحات النفوذ، بل بامتداد الأثر الإنساني والحضاري في الوجدان والعقول.

وفي سياق التصعيد الأخير بين إيران وإسرائيل، اختارت دولة الإمارات بقيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، أن تقود دفة التهدئة عبر الحوار لا الصدام، وعبر الاتصالات البناءة لا الخطابات الحادة. ولم يكن هذا الموقف مجرد إعلان دبلوماسي، بل تجسد في خطوات عملية مدروسة عبرت عن عمق الرؤية وشجاعة القرار، إذ بادر سموه بإجراء اتصالات مباشرة مع القادة الإقليميين والدوليين، داعياً إلى التهدئة وضبط النفس، ومؤكداً أن الحل لا يكون إلا عبر التفاوض والحوار، في موقف حكيم أسهم في تجنيب الدولة والمنطقة مزيداً من المضاعفات والتبعات الخطِرة، وأعاد تثبيت منطقَ العقلِ حائطَ صدٍّ أولَ في مواجهة الأزمات.

ولم تقتصر جهود القيادة على المسار الدبلوماسي فحسب، بل امتدت إلى المسار الإنساني، إذ أصدر سموه توجيهات واضحة بإعفاء المواطنين الإيرانيين في دولة الإمارات من غرامات التأخير، وتنسيق عمليات الإجلاء الآمن للإماراتيين والمقيمين من إيران، في خطوة إنسانية تعكس قيم الدولة، وحرصها على سلامة الإنسان، أيّاً كان انتماؤه. وهذه القرارات لم تكن مجرد مبادرات إنسانية بحتة، حيث جسَّدت بُعداً أصيلاً من فن التفاوض الذكي، الذي يرى في البعد الإنساني أداة لتعزيز الثقة، وبناء صورة الدولة بصفتها قوة مسؤولة أخلاقيّاً، ما يعزِّز مكانتها التفاوضية، ويزيد تأثيرها في إدارة الأزمات.

لقد جسد سموه بحنكته الاستراتيجية  تطبيقاً عمليّاً متحركاً في ساحات السياسة والدبلوماسية، ففي ذروة الأزمة لم تكن دولة الإمارات تنفذ سياسة تقليدية، بل كانت تبتكر مساراً يرفض لغة التهديد، ويستبدل بها منطق المصالح المشتركة، ويحوّل الخصومة إلى مساحة للتفاهم والحوار، وفي هذا السياق يصبح كتاب «قوة التفاوض» مرآة فكرية، كما يصبح نهج صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد ترجمة عملية حية لفلسفة التفاوض الرفيعة. تلك العلاقة الجدلية بين الفكر والممارسة، بين القلم والميدان، هي ما يجعل من الدبلوماسية فناً راقياً، ومن السياسة فلسفة حياة.

وتثبت الأيام أن النظريات العظيمة تبقى حبراً على ورق ما لم تجد قادة عظماء يحولونها إلى واقع، وهذا ما رأيناه في قيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، التي حولت الأفكار النظرية إلى نموذج تطبيقي متفرِّد، يؤكد أن الحكمة تسبق الفكر، وأن الفعل يعلو على التنظير، فصنعت نموذجاً سيبقى علامة فارقة في تاريخ حل الأزمات. وكما أن الشعر لا يكتمل إلا عندما يجد القارئ الذي يفكك شيفراته، فإن الأفكار السياسية لا تتحقق إلا حين تجد من يجيد تحويلها إلى خطط ومسارات.

وهكذا تثبت دولة الإمارات، مرةً بعد مرةٍ، أن قوتها لا تكمن في ثرواتها أو قدراتها الدفاعية فقط، بل في حكمتها ورؤيتها الإنسانية الجامعة. ومن هنا تتجسد قوة التفاوض عنواناً صريحاً لقيادةٍ ترى في كل أزمة فرصة جديدة، وفي كل حوار بذرة سلام، وفي كل لحظة مفصلية لحظة إثبات للذات، تؤكد أن صوت الحكمة، وإن بدا هادئاً، هو الذي يرسم المسارات الكبرى، ويكتب التاريخ بمداد من نور.

*الأمين العام لمجلس التوازن