جودة الهواء المحيط لا تُقاس بما نراه، فبعض أخطر الملوثات لا تُرى بالعين. ويُظهر تقرير أهداف التنمية المستدامة لعام 2022 أن أكثر من 99% من سكان المدن في العالم يتنفسون هواءً ملوثاً من دون أن يشعروا؛ وهو ما يُبرز الحاجة الملحّة إلى ضمان نقاء الهواء الخارجي الذي نستنشقه يوميّاً.
وتراجعت الأنشطة الاقتصادية في أثناء جائحة كوفيد-19، وتراجعت كثيراً حركة النقل والإنتاج الصناعي؛ وهو ما أدى إلى تحسّن سريع وملحوظ في جودة الهواء. وأكدت تقارير علمية، أبرزها تقرير (IQAir)، انخفاض ملوثات رئيسة، مثل غاز ثاني أكسيد النيتروجين والجسيمات الدقيقة خلال أسابيع فقط؛ وهو ما يثبت تأثير سلوك الإنسان المباشر في التلوث. وبعودة الأنشطة الاقتصادية ارتفعت مستويات التلوث من جديد. وقد قدّمت هذه التجربة درساً مهماً: أن الإنسان هو جزء من المشكلة، لكنه أيضاً جزء من الحل، وأن التغيير ممكن وسريع إذا رافقته سياسات ذكية وخطط واضحة. ومراقبة جودة الهواء لا تعتمد على التخمين، بل على جمع بيانات دقيقة تساعد على فهم الواقع واتخاذ القرارات السليمة.
وكما تقول قاعدة معروفة في إدارة الجودة: «ما لا يمكن قياسه، لا يمكن إدارته»؛ ولهذا السبب، فإن الحفاظ على هواء نقي يتطلب منظومة متكاملة تشمل قوانين واضحة، وتقنيات حديثة للرصد، ومؤسسات قادرة على تحليل البيانات، واتخاذ قرارات مبنية على أسس علمية. وتُعد دولة الإمارات من الدول الرائدة على مستوى المنطقة في مراقبة جودة الهواء والسيطرة على الانبعاثات؛ فقد وضعت منظومة قانونية وتنظيمية متكاملة تستند إلى أفضل الممارسات العالمية. ومن أبرز هذه التشريعات: القانون الاتحادي رقم (24) لسنة 1999م في شأن حماية البيئة وتنميتها، وقرار مجلس الوزراء رقم (37) لسنة 2001م في شأن الأنظمة للائحة التنفيذية للقانون الاتحادي المذكور، وقرار مجلس الوزراء رقم (12) لسنة 2006م في شأن نظام حماية الهواء من التلوث. كما تبنّت الدولة معايير دولية مرموقة، مثل إرشادات منظمة الصحة العالمية، ومعايير وكالة حماية البيئة الأميركية، التي تحدد الحدود المقبولة لمجموعة من الملوثات الخطرة، مثل الجسيمات الدقيقة، والأوزون، وثاني أكسيد النيتروجين، وثاني أكسيد الكبريت، وأول أكسيد الكربون، والرصاص. ولتوسيع هذه الجهود تم دمج مراقبة جودة الهواء ضمن خطط تطوير المدن، باعتبار أن الهواء النظيف جزء أساسي من جودة الحياة.
وتُتابَع جودة الهواء عبر شبكة رصد تعمل على مدار الساعة، إلى جانب استخدام نماذج علمية تتنبأ بمستويات التلوث؛ وهو ما يتيح اتخاذ إجراءات استباقية لحماية البيئة والصحة العامة. ولا تقتصر جهود الدولة على مراقبة الملوثات المعروفة فحسب، بل تشمل أيضاً ملوثات أخرى قد تنشأ من أنشطة مختلفة في مناطق متعددة، مثل المناطق الصناعية، والطرق المزدحمة، ومواقع البناء، ومكبات النفايات، ومحطات معالجة مياه الصرف الصحي، وساحات خزانات الوقود. وتهدف هذه الجهود إلى مراقبة الهواء بدقة في مختلف البيئات التي يعيش فيها الناس أو يعملون؛ لضمان بيئة صحية وآمنة للجميع.
ومع أن حماية البيئة ترتبط ارتباطاً مباشراً بصحة الإنسان؛ فإن تلوث الهواء يبقى أحد أبرز المخاطر التي لا نراها بالعين المجردة؛ فالتعرض المستمر للهواء الملوث قد يُسهم في ظهور مشكلات صحية على المدى الطويل، مثل أمراض الجهاز التنفسي، أو ضعف المناعة، أو اضطرابات أخرى تؤثر في جودة الحياة. ومن هنا تأتي أهمية ربط جهود مراقبة البيئة بالخطط الصحية؛ بهدف الوقاية المبكرة، وتعزيز أسلوب حياة أكثر صحة وسلامة للجميع.
د.راشد محمد كركين*
مؤلف كتاب «قادة التنمية المستدامة» - خبير حماية البيئة والتنمية المستدامة -مؤسس معهد التنمية المستدامة للبحوث والتدريب - نائب رئيس جمعية الباحثين.


