في إطار التزامها المبدئي بقيم حقوق الإنسان، جدّدت البعثة الدائمة لدولة الإمارات العربية المتحدة، أمام الدورة التاسعة والخمسين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، تأكيد الإمارات على نهجها المؤسسي في حماية الحقوق والحريات الأساسية. وقدّمت البعثة عرضاً تفصيلياً يعكس تطوّر السياسات الوطنية المعنية بحقوق الإنسان، استناداً إلى مقاربة شاملة تُراعي خصوصية السياق الوطني، وتستجيب للتحديات العالمية من خلال آليات متكاملة.
وفي الواقع، فإن دولة الإمارات تتبع نهجاً يوازن بشكل دقيق بين التزاماتها الدستورية وتعهّداتها الدولية، على النحو الذي يرسّخ موقعها كشريك فاعل في تعزيز المنظومة الدولية لحقوق الإنسان، وهي تعتمد في هذا السياق مقاربةً متعددةَ الأبعاد لمعالجة قضايا حقوق الإنسان، تمزج بين البعد الحقوقي والتنموي والأمني، انطلاقاً من رؤية تعتبر أن الحقوق والحريات لا تنفصل عن ضرورات التنمية والاستقرار. وتركز هذه المقاربة على قضايا محورية، من أبرزها تمكين النساء والفتيات، وتعزيز الحق في الرعاية الصحية والتعليم المتطور، إلى جانب مكافحة خطاب الكراهية، وترسيخ ثقافة التسامح والتعايش داخل المجتمع. وتسعى الإمارات إلى مواءمة سياساتها الوطنية مع التزاماتها الدولية، خاصة فيما يتعلق بمكافحة الاتجار بالبشر، والتصدي للعنف القائم على النوع الاجتماعي، والتفاعل مع التداعيات المتزايدة لتغير المناخ، بوصفه تحدياً يؤثر بشكل مباشر على تمتع الأفراد بحقوقهم الأساسية. ويُعد هذا التفاعل تعبيراً عن وعي عميق بالعلاقة بين البيئة وحقوق الإنسان، في ضوء المتغيرات العالمية المتسارعة.
وتستند سياسات الإمارات في مجال حقوق الإنسان إلى منظومة قيمية ثابتة أرساها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، قائمة على احترام التعددية الدينية والثقافية، ونبذ التعصب، وتعزيز الحوار بين الحضارات. وقد انعكست هذه المبادئ في سياسات الدولة على المستويين الداخلي والخارجي، من خلال تطوير أطر تشريعية ومؤسسية تهدف إلى ترسيخ قيم التسامح والانفتاح، والتصدي للتطرف من ناحية، وتكريس مبدأ الشراكة الحضارية كمدخل لتعزيز الاستقرار الإقليمي والدولي من ناحية أخرى.
ويعكس الاهتمام الرسمي للإمارات بإنشاء المؤسسات المعنية بالتسامح، واستضافة المؤتمرات والندوات المعنية بهذه القضايا، الحرصَ على العمل المؤسسي المستدام من أجل تنفيذ رؤيتها التي تتمحور حول التعايش وتأكيد أهمية الحوار بين الأديان لتحقيق الاستقرار الدولي.
ومن أبرز الخطوات التي اتخذتها دولة الإمارات لتعزيز قيم التسامح والتعايش، إصدار قانون مكافحة التمييز والكراهية عام 2015، واستحداث منصب وزير دولة للتسامح عام 2016، وتطويره إلى وزارة للتسامح والتعايش عام 2017، إلى جانب إطلاق البرنامج الوطني للتسامح، وتأسيس المعهد الدولي للتسامح، وإعلان عام 2019 عاماً للتسامح. كما دعمت الإمارات هذه السياسات بمبادرات عملية من خلال عدد من الجوائز الدولية مثل جائزة زايد للأخوة الإنسانية، التي تهدف إلى ترسيخ مفاهيم التآخي الإنساني والعيش المشترك.
وما يجب التأكيد عليه في هذا السياق، أن جهود الإمارات في مكافحة الإرهاب تندرج ضمن رؤية شاملة تتجاوز البعد الأمني التقليدي، إذ أطلقت الدولة الاستراتيجية الوطنية لمواجهة غسل الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب وتمويل انتشار التسلح للأعوام 2024–2027، والتي ترتكز على تدابير تشريعية ورقابية متقدمة، وتنسيق وثيق على المستويين الإقليمي والدولي، بهدف تعزيز متانة النظام المالي ومنع استغلاله في تهديد السلم والأمن.
وتعتمد دولة الإمارات نهجاً وقائياً في مواجهة التطرف، يقوم على معالجة أسبابه الاجتماعية والفكرية، فضلاً عن دعم خطاب ديني معتدل، بما يسهم في تحصين المجتمعات من الانقسامات الطائفية والعرقية، وقد طورت الإمارات منظومة تشريعية متقدمة، تضمنت قوانين لحماية الطفل، وتشريعات لمكافحة التمييز، ومبادرات توعوية في المؤسسات التعليمية والمجتمعية.
تعتبر دولة الإمارات مثالاً حيّاً للتسامح والإدماج والتعددية الثقافية، حيث تضم أكثر من 200 جنسية تنعم بالحياة الكريمة والاحترام، وهي تقدم نموذجاً ديناميكياً يقوم على رؤية استشرافية وسياسات وقائية وتنموية وأمنية متكاملة، توازن بين حماية الحقوق وضمان الأمن، وتكرس مفاهيم الوسطية والتسامح. ويبرز هذا النموذج في تفاعل الإمارات النشط مع الأطر الدولية، وتوظيف أدواتها الوطنية لمعالجة قضايا الأمن الإنساني، في إطار من التوازن بين متطلبات الأمن وضرورات الحقوق والحريات.
*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.


