يشهد العالم الآن ما يمكن اعتباره انقلاباً يعود فيه الشأن الإنساني إلى الصدارة، متقدماً على الخطط العسكرية والأهواء السياسية. فالدول التي قدّمت «الدعم المطلق» لإسرائيل في الحرب على غزّة تطلب بإلحاح وقفها وإنهاءها، لأنها انزلقت إلى التوحّش مرحلةً بعد مرحلة طوال اثنين وعشرين شهراً، وكانت الثلاثة الأخيرة منها الأكثر هولاً، فبعد القتل والتدمير الممنهجَين، والتشريد المتواصل للغزيين، شدّدت إسرائيل ضغوطها في سياسة تجويع معلنة، بل مصادق عليها بعد نقاش في المجلس الوزاري. هناك نماذج لمجاعات كثيرة في التاريخ، قديماً وحديثاً، لكن قليلة هي الحالات المماثلة لما فُرض على أهل غزّة: «مجاعة من صنع الإنسان»، بحسب توصيف الأمم المتحدة، بحسب تقارير منظمة الصحة العالمية ووكالة «الأونروا».

لم تترك المجاعة الزاحفة أمام أنظار المجتمع الدولي مجالاً لمزيد من الانتظار، فكانت الاستجابة التي بادرت دولة الإمارات إلى افتتاحها بإنزال جوي للمساعدات، ثم تتابعت المبادرات من مصر والأردن، وتلتها أخرى من بريطانيا وفرنسا وألمانيا أُرفقت بتغيير في سياسات باريس ولندن إزاء الاعتراف بدولة فلسطينية. أما إسرائيل فأوحت أولاً بأنها بدأت تكسر الحصار الذي فرضته على القطاع وسكانه، لكنها استمرّت في نفي وجود مجاعة وأبقت على نهج عرقلة المساعدات وإبطاء دخولها عبر المعابر البرّية، غير أن الأصوات الخارجية لم تخفت، بل واصلت لومها ومطالبتها بمزيد من التسهيلات، فبعد أسابيع من المراقبة لتقدير الموقف حسم العالم أمره: المجاعة ليست «أخباراً كاذبة أو ملفقة»، بل كارثة تزداد استشراءً وتظهر عوارضها لدى أشخاص من مختلف الأعمار... لذا وجب منعها فوراً.

في هذه اللحظة التاريخية التي تنبّه فيها المجتمع الدولي إلى حتمية تحمّل المسؤولية بدل التهاون أمام جريمة في حق الإنسانية، بدت الإمارات معنية بالمساهمة في هذا الجهد الدولي، ففعّلت مؤسساتها، مستندة إلى دور إنساني لطالما مارسته منذ تأسيسها، حتى أصبحت وكالات الإمارات للمساعدات الدولية من العناوين البارزة على الخريطة الدولية للاستجابات الإنسانية.

وبالنسبة إلى غزّة تحديداً، بدأت مبادرات «طيور الخير» و«الفارس الشهم 3» في وقت مبكر، واستمرّت بحسب ما مكّنتها الظروف الميدانية. وبموازاة ذلك، كانت هناك محاولات إماراتية في مجلس الأمن ومحافل دولية أخرى للتوصل إلى وقف إطلاق نار دائم، وإدانات متكررة للسلوك الإسرائيلي وانتهاكاته للقوانين الدولية، وآخرها إدانة قرار إسرائيلي بنقل سلطة إدارة الحرم الإبراهيمي من الأوقاف الفلسطينية إلى المجلس الديني اليهودي، وكذلك إدانة تصويت الكنيست على اقتراح لفرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية، باعتبار أنه «ينسف حل الدولتين» ويقوّض العمل من أجل السلام.

في المؤتمر الدولي لـ «حل الدولتين»، الذي انعقد أخيراً في مقر الأمم المتحدة، أكدت الإمارات أنها ستواصل إرسال الدعم الإغاثي إلى غزة، فيما طالبت بـ «إيجاد أفق سياسي واعتماد مسار لإقامة دولة فلسطين إلى جانب إسرائيل»، فهذا هو عنوان خريطة الطريق إلى السلام، كما باتت تعتمدها مع السعودية وبقية دول مجلس التعاون الخليجي.

والواقع أن هذا التوجّه عاد يشكّل إجماعاً عالمياً لم يعد هناك مجال لتجاهله حتى بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية. وأكثر ما يحزّ في النفوس أن يلوح هذا التغيير فقط بعد بلوغ العنف والتطرف ذرىً غير مسبوقة، وبعدما أصبحت غزّة «جحيماً على الأرض ولا يوجد فيها مكان آمن»، وفقاً لفيليب لازاريني مدير وكالة «الأونروا» التي كان منعها إسرائيلياً وأميركياً من غوث فلسطينيي غزة من أسباب تفاقم الكارثة، لا بالنسبة إلى توفير الغذاء فحسب، بل أيضاً في مجالات مثل الصحة والتعليم.

*محلل سياسي - لندن