لا يُوجد خلاف حقيقي بين الرئيس دونالد ترامب ورئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول، على الرغم من أن الصحافة تُصر على ذلك. فالصراعات تحتاج إلى طرفين. لقد شنّ ترامب وحلفاؤه هجوماً تلو الآخر على باول، واصفين إياه ب«الأحمق» و«المخادع السياسي» ومهددين إياه أيضاً بالملاحقة الجنائية، بينما هو يتقبل الأمر ببساط ولا يرد.
بعض الانتقادات الموجهة إلى باول مجرد ذرائع: من غير المعقول تصديق أن ترامب منزعج حقاً من تجاوز التكاليف في تجديد مقر الاحتياطي الفيدرالي. لكن حتى الحجج الجدية التي تُطرح لتبرير إقالة باول قبل انتهاء ولايته، معظمها ليست ذات معنى.
وعلى سبيل المثال، الادعاء بأن باول ساعد «الديمقراطيين» العام الماضي عبر خفض أسعار الفائدة، لكنه يرفض الآن خفضها لترامب، هو ادعاء خاطئ من الناحيتين الاقتصادية والزمنية. فمجلس الاحتياطي الفيدرالي خفّض أسعارَ الفائدة مرتين منذ فوز ترامب في انتخابات 2024. وهي الآن أقل مما كانت عليه طوال عام 2023 ومعظم عام 2024.
ويستمر ترامب في القول، إن باول يكبّد دافعي الضرائب مليارات الدولارات لأنه يرفض خفض أسعار الفائدة. لكن الحقيقة أن الاحتياطي الفيدرالي لا يتحكم بشكل مباشر في أسعار الفائدة التي تدفعها الحكومة الفيدرالية على ديونها. ولو قام المجلس بخفض السعر الذي يقع ضمن سيطرته، وتسببت هذه الخطوة في ارتفاع التضخم، وهو السبب الرئيسي وراء تردده في اتخاذ هذه الخطوة، فقد يطالب مشترو السندات بأسعار فائدة أعلى كتعويض عن ذلك.
وقد تؤدي تصرفات ترامب تجاه الاحتياطي الفيدرالي إلى دفع مشتري السندات للمطالبة بأسعار فائدة أعلى من ذلك أيضاً. وقد تكون إقالة باول قبل نهاية ولايته غير قانونية، كما أنها ستزيد من تصورات السوق حول مخاطر عدم الاستقرار في السياسات الاقتصادية. وحتى السماح له بإكمال ولايته ثم استبداله بشخص يُنظر إليه على أنه مطيع لترامب، قد ينطوي على فرصة لرفع توقعات التضخم في المستقبل، فوق ما قد تفعله أي خطوة واحدة لخفض أسعار الفائدة.
إذا كان ترامب قلقاً حقاً بشأن مدفوعات الفائدة الفيدرالية، وهو قلق مشروع، فعليه أن يقدّم ميزانيات أقرب إلى التوازن. لكنه فعل العكس. فهو يثبت صحة أحد التحذيرات التي دأب منتقدو الديون على ترديدها منذ عقود: الاقتراض المفرط يُغري الحكومة الفيدرالية باتباع سياسات تضخمية.
ومن الانتقادات الأخرى الموجهة لباول من جانب حلفاء ترامب أنه خرج عن نطاق اختصاصه بتقويض سياسات الرئيس التجارية. فقد أشار باول إلى أن تعريفات ترامب الجمركية ستزيد الأسعارَ عبر عدة قنوات. وأكثر ما يقلقه هو احتمال أن تؤدي هذه التعريفات إلى رفع توقعات الجمهور بشأن التضخم، ما قد يتحول إلى حقيقة ذاتية التحقق. وقد ساهم هذا الاحتمال في تردد الاحتياطي الفيدرالي في خفض أسعار الفائدة.
والحقيقة أن هذا هو مجلس الاحتياطي الفيدرالي، وهو يلتزم بنطاق صلاحياته. وإذا اتخذت الفروع السياسية إجراءات جعلت بعض السلع أغلى من غيرها، فإن المجلس لا يمكنه إيقافها ولا يجب أن يحاول ذلك. لكن ما يجب على الاحتياطي الفيدرالي فعله هو الحفاظ على معدل ارتفاع الأسعار الكلي بوتيرة بطيئة ومتوقعة. والحفاظ على توقعات التضخم منخفضةً ومستقرةً هو وسيلة مهمة لتحقيق هذا الهدف، مما يعني أن سياسة سعر الفائدة يجب أن تأخذ تلك التوقعات في الاعتبار.
يقول المستشار في البيت الأبيض «بيتر نافارو» إن باول لا يدرك كيف أن «ترامبنوميكس» (سياسات ترامب الاقتصادية) ستجلب نمواً اقتصادياً غير تضخمي، ولهذا السبب يحافظ على أسعار الفائدة مرتفعةً جداً. لكن هذه الحجة مضللة. فإذا كانت آفاق النمو في الولايات المتحدة ترتفع بسرعة بالفعل، فهذا بحد ذاته سبب لرفع أسعار الفائدة: يعني ارتفاع الطلب على الاستثمار.
وإذا كنت تحاول فرض نهج إدارة ترامب بشأن باول ليكون منطقياً نوعاً ما، فسيكون ذلك أنها تحاول التحوط سياسياً: أن تنسب الفضل لنفسها في قوة الاقتصاد إذا تحققت وإلقاء اللوم على باول إذا لم تتحقق. لكنها استراتيجية صعبة التنفيذ. أما الرسالة الفعلية من ترامب فهي ببساطة متناقضة: إنه يمنحنا اقتصاداً مزدهراً.. لكنه بحاجة ماسة إلى التحفيز من الاحتياطي الفيدرالي.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
راميش بونورو*
*زميل في معهد أميركان إنتربرايز


