ماماً كما فعل خلال ولايته الأولى، يُصر الرئيس الأميركي دونالد ترامب على امتلاكه مفتاح حل أزمة التشرد التي طالما أرّقت المدن الأميركية. ففي أمر تنفيذي أصدره مؤخراً، دعا ترامب إلى إزالة جماعية لمخيمات الشوارع، واقترح إرسال نحو 300 ألف شخص يعيشون فيها إلى السجون أو مؤسسات علاجية طويلة الأمد لمعالجة الإدمان والأمراض النفسية، رغبوا في ذلك أم لم يرغبوا. ولتحقيق هذا الهدف، سيتم استخدام التمويل الفيدرالي الحيوي المخصص للإسكان والخدمات الاجتماعية كورقة ضغط، بحيث يُمنح فقط للمدن والولايات التي تتبنّى موقفاً أكثر تجاوباً تجاه الإيداع القسري، وتتخذ إجراءات صارمة ضد التشرد وتعاطي المخدرات.
ووصف ترامب خطتَه بأنها نهج لتحقيق «السلامة العامة» بهدف القضاء على «التشرد المتفشي» و«السلوك غير المنضبط». ومن المؤكد أن هذه الخطة ستحظى بمؤيدين، لا سيما في الولايات الغربية التي يديرها «الديمقراطيون»، حيث ينام معظم مَن يفتقرون إلى المسكن في العراء بدلاً من الملاجئ. وتُعد كاليفورنيا، ذات السمعة المرتبطة بمخيمات بائسة في أحياء الطبقة المتوسطة، مسؤولةً عن قرابة نصف عدد المشردين الذين لا مأوى لهم في البلاد.
لكن في نهاية المطاف، من المرجح أن تفشل خطة ترامب في تحقيق أهدافها، إذ أن أمره التنفيذي يُخطئ في مشكلة التشرد ويراها فشلًا استراتيجياً في السياسات «الديمقراطية»، في حين أنها في الواقع نتيجة فشل كلا الحزبين في توفير الموارد الكافية للمدن والولايات باستمرار.
ويُلاحظ أن الكثير مما يقترحه ترامب، وإن بدا قاسياً للبعض، لا يختلف كثيراً عما يفعله العديد من رؤساء البلديات والحكام «الديمقراطيين».
في العام الماضي، قدّم عشرات المسؤولين المنتخبين من كاليفورنيا وأوريغون وواشنطن وأريزونا مذكراتٍ قانونيةً في قضية تتعلق بمنطقة غرانتس باس بولاية أوريغون، مطالبين المحكمة العليا الأميركية بمنحهم سلطةً أكبر لإزالة المخيمات من الأماكن العامة واعتقال المشرَّدين. وقد استجابت الأغلبية المحافظة في المحكمة للطلب. ورداً على ذلك، أصدر حاكم كاليفورنيا، جافين نيوسوم، على الفور أمراً تنفيذياً يوجّه فيه وكالات الولاية بإزالة الخيام من الأراضي المملوكة للدولة، وحث المدن والمقاطعات على القيام بالمثل، حتى أنه هدد بحجب أموال الإسكان عن الولايات القضائية التي لم تمتثل لمطالبه.
وكانت كاليفورنيا أيضاً من أوائل الولايات التي يقودها «الديمقراطيون»، والتي وسّعت قوانينَ الإيداع القسري، لتسهيل إجبار المشردين على دخول برامج علاج الإدمان. وقد وصف نيوسوم هذه الخطوة بأنها وسيلة لضمان حصول الأشخاص على المساعدة والاحترام.
أما نيويورك، فتسمح الآن لعناصر الطوارئ بإيداع الأشخاص المصابين بأمراض عقلية خطرة، وغير القادرين على رعاية أنفسهم، في مؤسسات علاجية إجبارياً. وبعد سنوات من الجدل، تمضي ولاية أوريغون قُدماً نحو تشريع مماثل.
ووصفت المتحدثة باسم نيوسوم، تارا غاليغوس، الأمرَ التنفيذي الذي أصدره ترامب بأنه مجرد «تقليد».لقد تغيرت بوضوح السياسة الحزبية المتعلقة بالتشرد، لكن الحاجة إلى الموارد لم تتغير. إذ أن النهج الأكثر صرامة في تفكيك المخيمات سينجح فقط في ظل توفير تمويل كافٍ للعلاج والإسكان لمن يعيشون فيها. ومع ذلك، فإدارة ترامب، تعتزم تقليص برنامج «ميديكيد» الذي يمول العديد من الخدمات التي تُبقي المشردين، وكثير منهم من ذوي الإعاقات، بعيدين عن الشوارع وتحت الرعاية، وذلك من خلال «مشروع قانون واحد كبير وجميل».
وفضلًا عن ذلك، فقد سبق وأن أعلنت الإدارة عن خطط لخفض مئات ملايين الدولارات من المنح المخصصة لعلاج الإدمان. وتُظهر بيانات «مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها» أن الجرعات الزائدة من المخدرات تقتل أكثر من 84 ألف أميركي سنوياً. ومن غير المبالغة القول، إن انخفاض معدلات الوفاة بسبب الفنتانيل وغيره من المخدرات في السنوات الأخيرة لم يكن محض مصادفة، بل جاء بعد تدفق المنح الحكومية خلال جائحة كوفيد في عهد إدارة بايدن.
كما أن عشرات المنح الفيدرالية المخصصة للتشرد والإسكان المُيسر معرضة للخطر، وهو سيناريو كارثي محتمل في المدن والولايات ذات التكلفة المرتفعة. وكما قال جيسي رابينوويتز، من المركز الوطني لقانون التشرد، مردداً صدى العديد من جماعات الحريات المدنية، فالأمر التنفيذي لترامب «لا يُسهم في تخفيف عبء تكاليف السكن ولا يساعد الناس على تلبية احتياجاتهم».
ومن غير الواضح ما إذا كانت الولايات، التي يعاني كثيرون فيها من عجز في الميزانية، ستمتلك المالَ الكافي لتمويل ما يكفي من الأسرة في المؤسسات أو في السجون لاستيعاب جميع المشردين الذين يريد ترامب إبعادَهم عن الشوارع.
لكن يبدو أن ترامب لا يرى أن نقص الموارد هو المشكلة. ففي أمره التنفيذي، قال: «لقد أنفقت الحكومة الفيدرالية والولايات عشرات المليارات من الدولارات على برامج فاشلة لمعالجة التشرد».
إنها نقطة وجيهة، فقد ارتفع عدد المشردين بنسبة 18% على مستوى البلاد العام الماضي، وفقاً لبيانات وزارة الإسكان والتنمية الحضرية الأميركية. لكن يشار إلى أن الزيادة في كاليفورنيا، التي تنفق أموالاً على التشرد أكثر من أي ولاية أخرى، والتي كانت أكثر حزماً في إزالة المخيمات في عهد نيوسوم، لم تتجاوز 3%.
وينبغي على ترامب أن يتذكّر أن حل أزمة التشرد، بغض النظر عن الاستراتيجية المُتبعة، يتطلب الاستثمارَ في المدن الأميركية، لا خفض ميزانياتها.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
إريكا د. سميث*
كاتبة أميركية*


