رغم عكازه وشعره الرمادي وظهره المنحني قليلاً، يقود كونشيرو كيوزومي دراجتَه الهوائية إلى السوبر ماركت، من دون أن يبدو في مظهره أو سلوكه ما يلفت نظرَ المتسوقين الأصغر سناً، المنشغلين بهواتفهم الذكية أثناء ملء عربات التسوق، والذين لا يدركون أن حياة هذا الرجل، الذي يعيش الآن وحيداً، تشتمل على قصة درامية شكّلتها أعنفُ حرب في التاريخ. في سن الخامسة عشرة، أصبح كيوزومي أصغر بحارٍ على متن إحدى الغواصات الهجومية التابعة للبحرية الإمبراطورية اليابانية.
وفي الأيام الأخيرة من الحرب العالمية الثانية، التي أودت بحياة ما لا يقل عن 60 مليون شخص حول العالم، جابت غواصتُه المحيط الهادئ، وقضت على ست سفنٍ تابعة للحلفاء، بما في ذلك الطراد الثقيل «يو إس إس إنديانابوليس» الذي أغرقته. لكن المحاربين القدامى الأحياء، مثل كيوزومي، لم يكونوا القادة ولا الجنرالات الذين أداروا الخطط الحربية اليابانية، بل كانوا شباباً من البحارة وجنود المشاة في حرب لم تكن مِن صنعهم، كان معظمهم في منتصف العشرينيات من أعمارهم عندما أُرسلوا إلى ساحات معارك بعيدة، حيث تُرك بعضهم في الأدغال، من الهند إلى المحيط الهادئ، ليموتوا جوعاً، أو تُركوا ليعودوا بعد إعلان الإمبراطورية استسلامها في 15 أغسطس 1945، وفي جعبتهم أسرارُ مؤلمة. عاش كيوزومي حياةً هادئة، وعمل في شركة مرافق عامة تُركّب الأسلاك الكهربائية التي ساعدت في إعادة إعمار اليابان.
ومع مرور الوقت كان يفقد زملاءَه السابقين واحداً بعد الآخر. ونادراً ما كان يتحدث عن تجاربه في زمن الحرب، لكنه قال مؤخراً لوسائل الإعلام من داخل منزله، وهو يُظهِر صوراً باهتة للغواصة التي كان يعمل على متنها، وله أيضاً كبحار شاب: «أنا آخر مَن تبقى مِن رجالها». ومع اقتراب الذكرى الثمانين لنهاية الحرب العالمية الثانية، يتضاءل عددُ المحاربين اليابانيين القدامى الأحياء، إذ لم يتبقَّ منهم سوى 792 محارباً.
وهم الآن في أواخر التسعينيات من العمر، يحتفظون معهم بآخر الذكريات الحية حول أهوال الحرب الكبرى ومحنها المؤلمة، ولكن أيضاً بقصص مؤثرة تحمل معنى الشجاعة والتضحية. (الصورة من خدمة «نيويورك تايمز»)


