اشتهر لبنان عبر عدة عقود بأنه بلدٌ تتسم بنيته بالهشاشة، وتسهل إثارة الفتن والحروب فيه أو انطلاقاً منه، بسبب الانقسامات الطائفية الحادة بداخله وسهولة الإصغاء لإغراءات الخارج لتغليب فئة على أخرى. والذكرى الأقرب لهذه المقولات تعود للسبعينيات حين تمركزت منظمة التحرير الفلسطينية بجنوب لبنان لمقاتلة إسرائيل بإجازة من السلطات اللبنانية! وكانت النتيجة الغزو الإسرائيلي للبنان عامي 1978 و1982 حين أُخرجت قوات المنظمة من لبنان. لكنّ النزاع الداخلي لم يخمد حتى عام 1989 حين تدخلت المملكة العربية السعودية فجمعت النواب اللبنانيين بالطائف (اتفاق الطائف) وأنهت النزاع الداخلي.
لكنّ النفوذ السوري استمر وتعاظم وظلت أربع فرق عسكرية سورية موجودة بلبنان، تارةً لفضّ النزاع الداخلي، وتارةً أخرى لمساعدة اللبنانيين ضد إسرائيل! وعندما اضطر السوريون لمغادرة الأرض اللبنانية، بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري مطلع العام 2005، انفردت ميليشيا «حزب الله» بالسيطرة في الداخل، ومرةً أُخرى بحجة تحرير الأرض من إسرائيل. بيد أن نفوذها فاق كلَّ حدّ، وصارت تشن الحروب وتعقد الصفقات مع إسرائيل وغيرها! وأعان الميليشيا على ذلك التحالفُ الذي أقامته مع فريق مسيحي كبير هو «التيار الوطني الحر» الذي صار زعيماً رئيساً للجمهورية عام 2016.
وفي مطالع العام 2024 دأب «محور الإيراني» على الحديث عن وحدة الساحات. وكان المعني بذلك تعاون الأذرع الإيرانية في المنطقة ضد إسرائيل. وبدأت حركةُ «حماس» الحرب، وفي اليوم التالي شنّ «حزب الله» حرباً سماها حرب الإسناد لغزة في زعمه. وكما حدث في غزة، دمرت إسرائيلُ أسلحةَ الحزب وقتلت قياداتِه. ورغم حصول وقف لإطلاق النار، فإنّ الغارات الإسرائيلية اليومية مستمرة لملاحقة عناصر تقول إسرائيل إنهم ينتمون للحزب.
بسبب انفراد الحزب المسلَّح بقرار الحرب والسلم، تخرب لبنان في الهجمات، وبخاصةٍ جنوبه، عدة مرات. ولذا يناضل السياسيون اللبنانيون المعارضون لتجاوزات الحزب منذ ثلاثة عقود لاستعادة حصرية السلاح بيد الدولة. بيد أنّ هذه المعارضة فشلت مراراً لتدخّل الحزب بسلاحه في الداخل اللبناني أيضاً. لكن بعد الهزيمة التي نالت من الحزب في «حرب الإسناد» تجرأ السياسيون اللبنانيون، رئيساً وحكومةً، وأصدروا قراراً بالأكثرية الكبرى (مع تغيب الوزراء الشيعة) لهذه الحصرية، وعهدوا للجيش بوضع خطة للتنفيذ. إنّ هذا القرار المنتظر منذ عام 1990 أثار استحساناً كبيراً في العالم العربي والعالم. وما أثار سخطاً إلا لدى قيادة الحزب المسلح، ولدى وزير الخارجية الإيراني الذي يريد مواصلة عملية التحرير من لبنان، رغم أن كل حروب الحزب الانتصارية انتهت بزيادةٍ في المساحة التي تحتلها إسرائيل من لبنان!
الاستحسان الكبير ما أخفى بعض محاولات التدقيق. فالقرار مهم لأنه يعني أن أكثرية اللبنانيين ما عادت تقبل بسلاح خارج سلطة الدولة. لكنّ القرار يحتاج إلى تنفيذ من جانب الجيش. فحتى لو أطلع الحزبُ الجيشَ على مواقع أسلحته (ولن يفعل) فإنه بسبب كثرتها يحتاج سحبها إلى شهورٍ وشهور. ولذا، لا ينبغي أن نفرح قبل الأوان، كما ينبغي الحذر من حصول القطائع والنزاعات، فليست هناك ميليشيا ترحب بحلّ نفسها، وبخاصةٍ الذين يتخذون لبوساً عقائدياً!
*أستاذ الدراسات الإسلامية - جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية


