هيمنة الممرات وتكتيكات الحصار غير المباشر جعلت المسرح البحري في عام 2025 العمود الفقري للمواجهة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة الأميركية وجمهورية الصين الشعبية، حيث تتداخل خطوط الملاحة التجارية مع الحسابات العسكرية، وتتحول البحار والمضايق إلى شرايين حساسة يحدد التحكمُ فيها موازينَ القوة العالمية.
هذا الصراع الذي يتجنب الصدام المباشر يعتمد على مزيج من الحشود العسكرية، والانتشار المتقدم، والحصار غير المباشر.. مما يخلق بيئةً بحرية متوترةً ومشحونة.
ومن أجل الانتشار الأميركي وتكتيك السيطرة على سلاسل الجزر، تتصدر الولاياتُ المتحدة المشهدَ البحري العالمي بميزانية دفاعية بلغت 997 مليار دولار في عام 2024، أي ما يعادل 37% من الإنفاق العسكري العالمي البالغ 2.718 تريليون دولار. هذا التفوق المالي سمح لواشنطن بالحفاظ على أكبر أسطول بحري في العالم يضم 11 حاملة طائرات نشطة، إضافة إلى أكثر من 90 مدمرة وطراداً، و68 غواصة هجومية نووية وتقليدية. وخلال يوليو 2025، قادت البحرية الأميركية أكبر نسخة في تاريخ مناورات Talisman Sabre في أستراليا، بمشاركة 19 دولة وأكثر من 30 ألف جندي، حيث شملت التدريبات عمليات إنزال برمائي واسعة، وحرباً مضادة للغواصات، وتكتيكات حماية القوافل التجارية.. في رسالة واضحة للطرف الآخر.
كما عززت واشنطن نقاطَ الانتشار المتقدم في غوام والفلبين وبابوا غينيا الجديدة، ما يتيح لها التحكم في «سلسلة الجزر الأولى» التي تعد خط الدفاع البحري الأول لاحتواء الصين ومنعها من التوسع في غرب المحيط الهادئ.
وفي المقابل، ضاعفت الصينُ ميزانيةَ دفاعها لتصل إلى 246 مليار دولار، مع تقديرات غير رسمية تصل بهذه الميزانية إلى 314 مليار دولار، وهي تملك ثاني أكبر أسطول حربي في العالم، يتضمن حاملتيْ طائرات وعدداً متزايداً من المدمرات المتطورة المزودة بصواريخ بعيدة المدى.في الأشهر الأخيرة، ركزت بكين على تكثيف تدريباتها في بحر الصين الجنوبي ومضيق تايوان، مع نشر غواصات هجومية من طراز Yuan، ومقاتلات شبحية J-20، وقاذفات H-6K القادرة على حمل صواريخ كروز بعيدة المدى. كما أجرت محاكاة اعتراض سفن عسكرية وتجارية، وزرعت ألغاماً تدريبية في ممرات استراتيجية.. مما يعكس استعدادَها لخنق أي تحرك بحري نحو تايوان إذا اندلع النزاع.
إن الحصار غير المباشر واللعب على الممرات التجارية أصبح السمةَ الأبرزَ لهذا الصراع. الولايات المتحدة تستخدم انتشارَها البحري في المحيطين الهندي والهادئ لمراقبة وتأمين الممرات التي تمر منها إمدادات الطاقة الصينية، خصوصاً عبر مضيق ملقا الذي يَعبر منه نحو 60% من واردات الصين النفطية. وفي المقابل، تستخدم بكينُ وجودَها في جزر باراسيل وسبراتلي لتوسيع سيطرتها على خطوط الشحن، ولتضييق الخناق على جيرانها مثل الفلبين وفيتنام، حيث رصدت تقاريرُ خفر السواحل الفلبيني أكثر من 100 حادثة احتكاك بحرية منذ بداية 2025.
أما التحركات الأميركية فلم تعد مقصورةً على غرب المحيط الهادئ. فقد وسّعت واشنطن نشاطَها في المحيط الهندي عبر تدريبات مع الهند وأستراليا، وزادت من وجودها في البحر الأحمر وخليج عدن لتأمين طرق التجارة من أفريقيا إلى آسيا. وبالمقابل، كثفت الصين نشاطَ أسطولها في سواحل شرق أفريقيا، وأجرت تدريباتٍ مشتركةً مع روسيا في بحر اليابان، واستقبلت سفناً حربية إيرانية في موانئها.. في خطوات تهدف إلى بناء شبكة نفوذ بحرية تمتد من بحر الصين الجنوبي حتى المحيط الهندي.
وبالرغم من أن الطرفين يتفاديان مواجهةً مباشرة، فإن كثافة الانتشار البحري ترفع احتمالات الاحتكاك غير المقصود. ففي يونيو 2025، اقتربت مدمرة صينية لمسافة 150 متراً فقط من مدمرة أميركية خلال دورية في بحر الصين الجنوبي، وهو ما وصفه البنتاغون بـ«العمل الاستفزازي»، بينما اعتبرته بكين «إجراءً دفاعياً». وهذه الحوادث، وإن لم تؤدِ إلى اشتباك، فهي تُبرز مدى هشاشة الوضع وإمكانية التصعيد السريع.
المسرح البحري ليس فقط منصة لعرض القوة، بل أداة لفرض النفوذ وتشكيل القواعد الدولية.. والسيطرة على المضايق والممرات البحرية تعني القدرةَ على خنق اقتصاد الخصم أو حماية التدفقات التجارية الحيوية. وفي حالة الولايات المتحدة والصين، هذا الصراع البحري هو جزء من معركة أوسع على قيادة النظام الدولي، حيث يشكل كل تحرك في البحر رسالةً سياسيةً واقتصاديةً وعسكريةً في آن واحد.
*كاتب وباحث إماراتي في شؤون التعايش السلمي وحوار الثقافات


