منذ مطلع عام 2024 بدأت محاولات الوسطاء لحلّ عقدة «إنهاء الحرب» على قطاع غزّة، أو الاتفاق على وقفٍ «دائمٍ» لإطلاق النار، لكن المقترحات تناسلت وتتابعت، والاجتماعات تنقّلت بين عواصم عدّة لتحصد فشلاً تلو آخر، وسط اجتهادات تحليلية للإشارة إلى مسؤولية هذا الطرف أو ذاك.
وفيما دأبت الولايات المتحدة (وإسرائيل) على تحميل حركة «حماس» هذه المسؤولية بشكل تلقائي، لم تشأ الدولتان الأخريان، مصر وقطر، اتهام أي طرف، سواء لأن ذلك لن يغيّر شيئاً أو لأن أولويتهما كانت للاستمرار في الوساطة والحفاظ على الأمل في «وقف الحرب» استناداً إلى قراراتٍ لمجلس الأمن الدولي بقيّت من دون تنفيذ، وإلى هدفٍ حددته باكراً القمم العربية والإسلامية. ومع تبدّل الإدارة في واشنطن أمكن التوصّل إلى هدنة تخللها تبادل للإفراج عن أسرى، وانتهت منتصف مارس 2025 من دون تمديد أو حلٍّ للعقدة الرئيسة.
تعدّدت الأهداف التي حدّدتها إسرائيل لإنهاء الحرب، وعدا إطلاق الرهائن الإسرائيليين، كان «القضاء على حماس» أكثرها تداولاً وترداداً، ويأتي في إطاره إنهاء حكمها لقطاع غزّة ونزع سلاحها ونفي قادتها، وكان الهدف الأهم كما اتضح لاحقاً إعادة احتلال القطاع وتهجير أهله. وفي المقابل، كانت هناك أهداف لم تتغيّر لـ«حماس» وهي: وقف الحرب، وانسحاب القوات الإسرائيلية، وتدفق المساعدات الإنسانية، والبدء بإعادة الإعمار.. وظل الهدف الرئيس أن تبقى الحركة حاكمةً ومسيطرةً على القطاع. ولعل إنهاء الحرب بات يتطلب الآن إرادةً دولية، وكذلك «إدارة دولية»، لإحباط هدفَي الطرفين، وإلا فإن غزّة ستصبح بؤرةً للفوضى.
ورغم التأييد «المطلق» لإسرائيل في العالم الغربي، فإن الطبيعة المتفلّتة وغير المسبوقة للحرب استدعت تحليلات ومواقف ناقدة من جانب حتى مؤيدي إسرائيل: أولاً للأهداف المعلنة كونها تعني في تقدير الخبراء «حرباً بلا نهاية»، وثانياً للأساليب القتالية المتّبعة لأن كلفتها من الضحايا الفلسطينيين المدنيين عالية جداً في حين أن الأهداف العسكرية التي تستحق هذه التسمية (اكتشاف الأنفاق وتدميرها أو «تحييد» قادة «حماس») لم تتحقق بالتدمير المنهجي للعمران المدني (بنية تحتية، أبنية سكنية، مدارس، دور عبادة، مستشفيات..) أو لخيام النازحين ومراكز الإيواء.
كما جُرّب أخيراً الحصارُ الشاملُ، بما فيه من تجويع وتعطيش وحرمان من الدواء، وذُكر أن هدفه «الضغط على حماس»، فإذا به واقعياً ضغطٌ على السكان المدنيين لأن تهجيرهم أصبح من أهداف الحرب. وفي الآونة الأخيرة، وبعد انهيار مفاوضات الوسطاء، اقترح المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف «اتفاقاً شاملاً» يتضمّن الإفراجَ عن الرهائن وإنهاءَ الحرب، لكن رُبط إنهاؤها بشرط «استسلام حماس» ونزع سلاحها من دون أي خطة واضحة.
لم يشر الاقتراح مثلاً إلى ما أوصت به الوثيقة الختامية لمؤتمر «حلّ الدولتين»: أي تسليم «حماس» سلاحَها إلى السلطة الفلسطينية (ذات التنسيق الأمني مع إسرائيل وبإشراف أميركي)، بل أشار إلى «إدارة دولية للقطاع بقيادة أميركية». وكانت هذه الفكرةُ مطروحةً خلال الإدارة الأميركية السابقة، لكن إسرائيل لم تتفاعل معها، لأنها تفشل هدفَ احتلال القطاع الذي يصرّ عليه وزراء الجناح المتطرّف في حكومتها. وكما أن لإنهاء الحرب مفاعيله داخل إسرائيل وغزّة، كذلك للاحتلال تداعيات إقليمية عبّر عنها الرئيس عبدالفتاح السيسي بلهجة غير عادية، واصفاً الحرب بأنها «لم تعُد حرباً لتحقيق أهداف سياسية أو إطلاق سراح رهائن بل أصبحت حرباً للتجويع والإبادة وتصفية القضية الفلسطينية»، ومشدداً على أن مصر «ليست بوابة للتهجير وغير مستعدة لاستقبال أو للقبول بتهجير الفلسطينيين».
*كاتب ومحلل سياسي - لندن


