يتصاعد الصراع الكلامي (حتى الآن) على الساحة اللبنانية بشأن نزع سلاح «حزب الله». وقد بدأ الجدال بعد قرار الحكومة اللبنانية بحصر السلاح بيد الدولة وأجهزتها العسكرية والأمنية، وسحبه من كل التنظيمات المسلحة على الأرض اللبنانية، بما فيها «حزب الله».
ورد الوزراء الشيعة على ذلك بالانسحاب من جلسة الحكومة، وربما ينسحبون من مجلس الوزراء. وصرّح مسؤولون في الحزب بمعارضة القرار ونظموا تظاهرات في شوارع الضاحية وبيروت. ثم زار علي لاريجاني، مدير مجلس الأمن القومي الإيراني، العراقَ ولبنانَ لنفس الهدف: تحدي قرار الحكومتين العراقية واللبنانية بحصر السلاح بالأجهزة الرسمية ونزعه من الميليشيات.
تذهب الميليشيات بالبلاد العربية إلى أنّ قرار نزع السلاح يتم بضغوطٍ من أميركا وإسرائيل. لكن حتى لو كان ذلك صحيحاً فما كانت الجهات الرسمية في الدولتين لتجرؤ عليه لولا الهزائم التي نزلت بمحور الميليشيات في مواجهة إسرائيل وأميركا، وسقوط نظام بشار الأسد في سوريا. لكن هناك فروق بين البلدين، فـ«الحشد الشعبي» بالعراق لديه أكثرية بمجلس النواب وفي الحكومة، ولذا فأقصى ما يمكن التوصل إليه في العراق عدم اتخاذ أي قرار وعندها ستتدخل أميركا وتفرض عقوبات على العراق! أما في لبنان، فالثنائي الشيعي يمثل في مجلس النواب والحكومة أقل من الرُبع. لكنه كان يتميز بوحدة الموقف وبالسيطرة الأمنية، وقد احتلوا بيروت عام 2008 ولم يجرؤ الجيش على منعهم من ذلك. فإذا تقاتل الجيش مع الميليشيات بالعراق، والكل شيعة، سيحدث الاقتتال داخل الطائفة الشيعية. أما في لبنان فالشيعة أقلية في كل المؤسسات، لكنّ المشكل في أمرين: أولهما أن اللبنانيين جميعاً يكرهون النزاعات الداخلية، لأنّ عندهم تجارب كريهة فيها.
وثانيهما أنّ أحداً من غير الخبراء العسكريين لا يعرف مدى قوة الطرفين وإرادتهما التنازع. وهذا إضافةً إلى أمر ثالث هو أن المسيحيين والسنّة هم جميعاً ضد سلاح الحزب الآن، لكنْ هل يبقون كذلك؟ القتال صعبٌ جداً للعوامل التي ذكرناها. لكن ماذا لو لم يحدث شيء وبقي السلاح بيد الطرفين الميليشياويين في العراق ولبنان؟
إذا حصل هذا فإنّ أميركا ستفرض عقوباتٍ خانقةً على العراق، أما في لبنان فتعود الحرب الإسرائيلية التي لم تتوقف، فتخرب البلادَ ويعاني العباد، وهو أمر لا يريده أحد. هناك الآن إرادة من أكثريات شعبية في العراق ولبنان للخروج من عهد الميليشيات إلى عهد الدولة الوطنية القوية والمستقلة. وكل هذا ونحن لم نتحدث بعد عن الطرف الآخر: الإسرائيلي الذي كان دائماً يريد الحفاظ على أمن حدوده، أما بعد الحروب الأخيرة فهو يتحدث عن «إسرائيل الكبرى»!
لقد ارتفعت أصوات المعارضة في لبنان والعراق ضد الحرب. لكنّ أطرافاً إقليمية لا تقبل إلا بالسيطرة الكاملة، بينما تتصاعد أصواتٌ في الإقليم بعضها لا يريد النووي، وبعضها الآخر لا يريد النفوذ الميليشياوي. وفي إسرائيل نفسها أصبحت أصواتُ الحكومة المقاتلة عاليةً جداً، لكنّ صوت المسالمين صار مرتفعاً هو كذلك، بسبب الرهائن، وبسبب تعب الجيش!
*أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية


