بين الخلاصات التي توصّلت إليها قمة ألاسكا بين الرئيسين الأميركي والروسي، ذُكر مبدأ «الأرض مقابل السلام» كعنوان محتمل لأي اتفاق مزمع عقده لإنهاء الحرب في أوكرانيا. أدرك الزعماء الأوروبيون، في استماعهم إلى إحاطة الرئيس دونالد ترامب بعد القمة، أنه توصّل مع الرئيس فلاديمير بوتين إلى اقتناع أو تفاهم قوامه: أولاً، أن لا سلام من دون نقل ملكية أراضي مربّع دونباس (دونيتسك ولوغانسك) في شرق أوكرانيا والاعتراف الغربي بذلك رسمياً (بما يشمل أيضاً شبه جزيرة القرم التي ضُمّت إلى روسيا عام 2014).
وثانياً، أن الحرب تتوقف بـ «اتفاق شامل» وليس بوقفٍ لإطلاق النار «لا يصمد في كثير من الأحيان»، كما نقل ترامب إلى الرئيس الأوكراني والحلفاء الأوروبيين. وثالثاً، أن هذا الاتفاق يمكن أن يتضمّن «ضمانات أمنية» لأوكرانيا حتى لو كانت مستوحاة أو مشابهة لتفويض الدفاع الجماعي لحلف شمال الأطلسي، بموافقة روسية، شرط ألا تُضمّ أوكرانيا إلى هذا الحلف، كما شرح المبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف الذي لعب دوراً أساسياً في ترتيب قمة الرئيسين. تلك النتيجة النهائية المحتملة للحرب، حتى لو طالت المفاوضات على بنود الاتفاق، كانت قد لاحت أمام المراقبين والمحللين منذ بدأ الجيش الروسي يتقدم باطّراد في مناطق شرقي أوكرانيا في عام 2023، وتأكّدت أكثر في الشهور الأخيرة بعدما أنهى التوغل الأوكراني في الأراضي الروسية.
قبل ذلك، كانت معظم سيناريوهات إنهاء الحرب تتوقع «تبادل أراضٍ»، كمصطلح عام، غير أن الجانب الأوكراني لم تكن لديه أراضٍ للتبادل أو المقايضة. أما أكثر السيناريوهات تشاؤماً فكان يفترض «حرباً بلا نهاية»، أي مواجهة استنزافية بين الجانبين: روسيا بفعل كلفة التعبئة والأعمال القتالية في ظل عقوبات غربية دائمة التوسّع، وأوكرانيا و«التحالف الغربي» الداعم لها وقد كان دائم الشكوى من الأعباء المالية المترتّبة عليه.
غير أن روسيا استطاعت أن تتعايش وتتكيّف مع الصعوبات التي فرضتها العقوبات ووجدت زبائن لنفطها وتجاراتها، فيما كانت الإدارة الأميركية السابقة تتكفّل بتغطية معظم احتياجات أوكرانيا من سلاح وعتاد، بالإضافة إلى سد عجز ميزانية البلاد. وعلى الرغم من ذلك، لم يكن الاستنزاف خياراً مجدياً من دون وجود أفق للحرب، ولا نمطاً يمكن التحكّم به على المدى الطويل طالما أن الجبهات تشهد تغييراً مستمراً معاكساً لمصلحة أوكرانيا. لذا كانت هناك حاجة إلى من يخطو خطوةً أولى لتغيير الواقع، وهو ما أقدم عليه ترامب، ليس فقط لأنه تعهد بإنهاء هذه الحرب في حملته الانتخابية، بل أيضاً لجملة أسباب سياسية واستراتيجية واقتصادية.
وفي الجانب الآخر، كان بوتين ينتظر أي مبادرة أميركية، ومنذ العام الثاني للحرب لم يعد يتفاعل بحيوية مع أي اتصالات أو محاولات أوروبية للتحاور والتوسّط أياً كان مصدرها، موقناً بأن التسوية تكون مع الولايات المتحدة أو لا تكون.
وهذا ما تأكد في ردود فعل الأوروبيين على بدء الاتصالات الأميركية الروسية في الرياض، إذ استشعروا أن «التحالف الغربي» من دون أميركا لا يستطيع مواصلةَ الحرب حتى لو بذلوا جهوداً أو ضاعفوا انخراطَهم فيهم، بل إن توجهات واشنطن ومخاوفهم الأمنية المستجدة إزاء روسيا دفعتهم ولا تزال إلى مزيد من التفكير في الاعتماد على قواهم الذاتية. فحرب أوكرانيا غيّرت معادلات الأمن في أوروبا، كما رُسمت غداة الحرب العالمية الثانية، وفي اللحظة الراهنة يحتاج الجميع إلى إنهاء هذه الحرب ليروا كيف ستتبلور المعادلة الجديدة.
*كاتب ومحلل سياسي - لندن


