في ظل التحولات التشريعية والتطورات التقنية المتسارعة، تبدو الحاجة الماسة إلى إعداد كوادر قانونية مؤهلة بدرجة عالية. هذه الكوادر يجب أن تمتلك كفاءة معرفية ومهارات عملية تؤهلها للتعامل بفعالية مع التحديات الجديدة في بيئة العمل القضائي؛ فهي بحاجة إلى فهم التعقيدات القانونية الحديثة، بما يضمن سير العمل القضائي بكفاءة وعدالة، ويعزز جودة أداء المؤسسات القانونية في مواجهة التغيرات المستمرة.وإدراكاً منها لأهمية تعزيز وتطوير مهارات وقدرات هذه الكوادر القانونية بشكل مستمر، تعمل دولة الإمارات العربية المتحدة بخطى ثابتة نحو ترسيخ نهج تدريبي شامل ومتكامل يهدف إلى تحقيق هذا الهدف الاستراتيجي. ويأتي هذا التوجه ضمن جهودها الحثيثة لتأهيل العنصر البشري في مؤسسات القضاء. كما يضمن تجهيزهم للتعامل بكفاءة مع مختلف التحديات. ويُجسّد هذا النهج التزام الدولة التام برؤيتها الطموحة نحو تحقيق عدالة رائدة ومستدامة.
في هذا الإطار، تأتي جهود دائرة القضاء في أبوظبي نموذجاً رائداً في تطوير الكفاءات العاملة في القطاع القانوني. فقد شهد النصف الأول من العام 2025 تنفيذ 25 برنامجاً تدريبياً ضمن برامج التكوين الأساسي، استفاد منها 411 متدرباً، موزعين على فئات متعددة تضم المحامين، ومندوبي مكاتب المحاماة، ووسطاء تسوية المنازعات، ومأموري الضبط القضائي في الجهات الحكومية.
وتكمن أهمية هذه البرامج في تنوعها وتخصصها؛ فهي لم تقتصر على الجانب النظري فحسب، بل جاءت محاكية لمتطلبات الواقع العملي، عبر مناهج تدريبية مصممة بعناية لتتناسب مع طبيعة عمل كل فئة. وهذا يجسد فهماً دقيقاً لاحتياجات السوق العدلي، مع مراعاة معايير الجودة والامتثال القانوني في بيئات العمل المختلفة.
ويُعد حرص دائرة القضاء في أبوظبي على دمج التقنيات المتقدمة في هذه البرامج خطوة متقدمة نحو إعداد جيل من القانونيين القادرين على التعامل مع بيئة رقمية معقدة. هذه المقاربة التكنولوجية في التدريب تضمن استمرارية الكفاءة في مواجهة متطلبات المستقبل العدلي.
وعلى صعيد آخر، تتكامل هذه الجهود مع مبادرات وطنية مماثلة، كما في البرنامج السنوي للتدريب الصيفي الذي أطلقته وزارة العدل في يوليو 2025 والموجّه إلى طلبة كليات القانون المتوقع تخرجهم. ويمتد هذا البرنامج حتى أغسطس، ولا يُعد مجرد نشاط صيفي، بل يمثل حجر زاوية في بناء الكفاءات الوطنية، عبر إتاحة الفرصة للطلبة للاطلاع على واقع العمل القضائي واكتساب مهارات عملية تكمل تحصيلهم الأكاديمي.
ويتضمن البرنامج سلسلة متكاملة من المحاضرات والأنشطة الميدانية، يشرف عليها نخبة من القضاة والمستشارين المتخصصين. كما تتناول قضايا محورية كالإجراءات القضائية، والتحول الرقمي في التقاضي، وجرائم تقنية المعلومات، والوسائل البديلة لتسوية النزاعات، إلى جانب مهارات قانونية أساسية مثل كتابة المذكرات وصياغة صحيفة الدعوى.
ولا يمكن النظر إلى هذه المبادرات بمعزل عن توجيهات القيادة الرشيدة، التي تولي أهمية قصوى لتأهيل الكوادر المواطنة وتمكينها من أداء أدوارها بكفاءة في قطاع حساس كالقضاء. ويهدف هذا إلى ترسيخ بيئة تستند إلى أعلى المعايير العالمية في الأداء والتنافسية.
إن ما يُنجز اليوم على صعيد التدريب والتأهيل، سواء في إمارة أبوظبي أو على مستوى دولة الإمارات ككل، هو تجسيد لرؤية استراتيجية تستثمر في الإنسان باعتباره محور العدالة وركيزتها الأهم. فالقانون، مهما بلغ من تطور، يظل رهين قدرة من يُطبّقه ويفسّره ويدافع عنه. ومن هنا، فإن تعزيز جاهزية الكوادر القانونية يمثل أولوية مركزية، بل هو التزام وطني يُسهم في صيانة الحقوق، وترسيخ العدالة، وضمان استقرار المجتمع ونموه المستدام.
إن مسيرة المؤسسات القضائية في دولة الإمارات تمثل نموذجاً فريداً للتميز، وهناك مساعٍ دائمة لتطوير قدرات الكوادر القانونية، وتبني منظومة قانونية شاملة ومتكاملة تستند إلى الإنسان كمحور رئيسي. وهذا يضمن تحقيق العدالة الناجزة والشفافة، وترسيخ مكانة الإمارات كمنارة للابتكار القضائي، وتأكيد التزامها الدائم بتطوير بيئة قضائية متقدمة قادرة على مواجهة التحديات بكل كفاءة واقتدار.
*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.


