هناك مقياسان على الأقل لقوة الرئيس؛ الأول هو عدد الصلاحيات التي يمارسها، والثاني هو حجم المقاومة التي يواجهها.وفي الولاية الأولى للرئيس دونالد ترامب، حتى عندما قام بأبسط المحاولات لفرض سلطته، كانت ردة فعل المؤسسات الأخرى عنيفة. مثال على ذلك: من الواضح أن الرئيس يملك سلطة إقالة مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي. لكن مع بداية ولايته الثانية، أصبح ترامب رئيساً قوياً، بل ربما اكتسب «سلطةً أكبر من أيٍّ من أسلافه في زمن السلم»، كما كتب «والتر راسل ميد» هذا الشهر في صحيفة «وول ستريت جورنال». دعك من إقالة كبار مسؤولي إنفاذ القانون، الذين لن يجرؤوا على معارضة ترامب. 
خذ مثالًا آخر، وهو استخدام ترامب للجيش داخل الولايات المتحدة؛ ففي صيف عام 2020، أراد تجاوز سلطات حكام الولايات وإرسال قوات إلى المدن الأميركية في ظل بعض أكثر أعمال الشغب تدميراً في تاريخ الولايات المتحدة. وكانت لديه حجة معقولة، إذ لم تكن السلطات المحلية تسيطر على أعمال التخريب بالشكل الكافي، لكن مساعديه منعوه. 
لكن في عام 2025 نشر ترامب الحرسَ الوطني في لوس أنجلوس وسط اضطرابات مدنية أقل حدةً مما حدث في المرة السابقة. كما أرسل الحرس إلى واشنطن العاصمة بدعوى القلق العام بشأن الجريمة. وتشير التقارير إلى أن البنتاجون يستعد لتشكيل وحدة متخصصة من الحرس للتعامل مع الاضطرابات المدنية، كما لوّح ترامب بإرسال قوات إلى شيكاغو وسان فرانسيسكو من دون أن يثير ذلك اهتماماً كبيراً. وكل هذا يحدث في فترة سلام نسبي داخلي.
 وعلى ضوء المقياسين، أي حجم السلطات التي يمارسها وقوة المعارضة التي تواجهه، تكاد ولايتا ترامب الأولى والثانية أن تكونا على طرفَي نقيض. ما يطرح السؤالَ: لماذا؟ كانت انتخابات 2024 متقاربة، وعادةً ما يكون الرؤساء أضعف في ولاياتهم الثانية. لكن ترامب ليس شخصية سياسية عادية. وإليك أربعة تفسيرات جزئية:
 أولاً: «الديمقراطيون»، فرغم أن الحزب الديمقراطي ما زال يتمتع بتمثيل سياسي واسع (له أقلية كبيرة في مجلس النواب، ولديه حكام ولايات كبرى)، فإنه يسعى جاهداً لإيجاد مبرر لحشد الناس. فقد استثمر سنوات في نزع الشرعية عن انتخاب ترامب الأول، بالإشارة إلى «التدخل الروسي» وتفوق هيلاري كلينتون في التصويت الشعبي. لم تعد هذه المبررات متاحة الآن، وهو ما يجعل من الصعب تحدي كون ترامب ممثلاً لإرادة الشعب. أمضى الديمقراطيون سنوات يرددون أن «الديمقراطية» هي القيمة العليا، فماذا يمكن أن يكون أكثر ديمقراطية من الإرادة الصلبة لرئيس منتخب شعبياً؟
ثانياً: «الجمهوريون»، فقد أحدث ترامب ثورةً حقيقية داخل حزبه. وربما كانت سنواته الأربع خارج السلطة ميزة في هذا السياق.. فقد انتُخب حوالي ثلثي أعضاء الكتلة الجمهورية الحالية في مجلس النواب عام 2016 أو بعده. وتقاعد أعضاء مجلس الشيوخ الأكثر احتمالاً لممارسة الحكم المستقل. ونجح ترامب وحركته في إيجاد شخصيات وفية وصلبة لتولي المناصب التنفيذية على جميع المستويات. وحتى لو كان الديمقراطيون في أفضل حالاتهم، فإن الحزب الجمهوري المُعاد تشكيله يمنح ترامب سلطةً أكبر بكثير مما كان عليه عام 2017.
ثالثاً: فترة الانتقال (الانقطاع عن السلطة)، والتي شهدت سيلاً من القضايا المرفوعة ضد ترامب، لكنها جعلت رئاستَه الثانية أكثر إصراراً وانتقامية. لقد باتت الحجج الداعية إلى ضبط النفس في البيت الأبيض ووزارة العدل أقل إقناعاً، بينما يشير المتشددون من حركة «لنجعل أميركا عظيمة مجدداً» (ماجا) إلى أن الديمقراطيين حاولوا محاكمة ترامب بتهم كان يمكن أن تسجنه مدى الحياة. ينبغي للديمقراطيين الذين ما زالوا يدافعون عن الملاحقات القضائية أن يعترفوا بالنتيجة الطبيعية لها. ومن المرجح أن يساهم فشل الملاحقات القضائية في إحباط الديمقراطيين سياسياً، بعد أن استخدموا أقوى الأدوات الممكنة ضد ترامب ولم ينجحوا.
رابعاً: المحكمة العليا، والتي كانت قضاتها الجمهوريون خلال معظم فترة ولاية ترامب الأولى يشكلون أغلبية 5-4. لكن ذلك تغيّر أواخر عام 2020 مع تعيين «إيمي كوني باريت»، ليتحول التوازن إلى 6-3. هذا الصوت الإضافي له أثر كبير، إذ لم يعد رئيس المحكمة «جون روبرتس» قادراً وحده على ترجيح كفة أحد الطرفين في القضايا المثيرة للجدل سياسياً.

ولطالما شكلت المحكمة العليا حاجزاً أمام بعض سياسات ترامب في الهجرة، لكنها لم تتدخل كثيراً في تزايد سلطاته. وربما يتغير ذلك مع رفع القضايا واستئنافها، لكن تغيير تركيبة المحكمة في ولايته الأولى على الأرجح أرجأ المواجهةَ في ولايته الثانية.
صوّت العديد من الأميركيين لصالح عودة ترامب إلى السلطة أملاً في استعادة سياسات ولايته الأولى الناجحة.

وبعد سبعة أشهر، يحصلون على بعض تلك السياسات، لكنهم يحصلون أيضاً على رئاسة تتضخم سلطاتها ونفوذها بشكل غير مسبوق. لقد بدأ الجهاز التنفيذي يتوسع على حساب الكونجرس قبل عهد ترامب، لكن الرئاسة السابعة والأربعين أطلقت العنانَ للسلطات الكاملة للمنصب وربما أكثر. ولن توقف التحذيرات بشأن نهاية الديمقراطية هذا التوسع، إذ لا يبدو أن هناك شيئاً أكثر ديمقراطية، بالنسبة للحزب الحاكم، من فرض إرادته.


*كاتب متخصص في القانون والسياسة الخارجية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»