تُقدِّم دولة الإمارات العربية المتحدة نموذجاً مكتملاً للتجربة النهضوية التي تحظى كل جوانبها بالاهتمام، وتتحقق فيها الإنجازات على كل المستويات، فبقدر ما كانت مسيرة الاتحاد وبناء المكانة السياسية ثرية وحافلة بالدروس، كان النجاح في بناء اقتصاد قوي ومزدهر وجهاً آخر لهذه المسيرة، يتضافر مع بناء مجتمع متجانس ومتسامح.
ومن بين هذه النجاحات، يحظى بناء المكانة الفكرية والمعرفية المرموقة بأهمية خاصة، بحكم احتياجه إلى مراحل متعاقبة من النضج والتبلور وبناء الركائز. وتمثل قدرة دولة الإمارات على التفاعل الخلاق مع المنجز العلمي والمعرفي في العالم بأسره بعد سنوات قلائل من تأسيسها، والاستفادة الواعية منه، ثم تجاوز ذلك في غضون ثلاثة عقود فقط، إلى الإسهام في إثراء المعرفة الإنسانية والإضافة إليها، إنْ على مستوى العلوم التطبيقية أو الإنسانية، وجهاً من وجوه تفوقها وتميزها ودورها الحضاري.
وفي هذا الإطار، يأتي انعقاد النسخة الثانية من «منتدى هيلي»، الذي ينظمه مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية وأكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية، يومي 8 و9 سبتمبر 2025، تحت شعار «إعادة ضبط النظام الدولي: التجارة والتكنولوجيا والحوكمة»، ليلقي أضواءً علمية وبحثية جادة على التغيُّرات والتحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي، من خلال ثلاثة محاور أساسية تضمن تغطية المشهد العالمي من كل جوانبه، وهي: المحور الجيوسياسي، والمحور الجيواقتصادي، والمحور الجيوتكنولوجي.
ومما يشير إلى أهمية هذا المنتدى البحثي، أنه يجمع نخبة من قادة الفكر والخبراء الدوليين والدبلوماسيين والأكاديميين من مختلف دول العالم، حيث يشارك في فعالياته أكثر من 50 متحدثاً في نحو 20 جلسة حوارية، تشكل منصة عالية المستوى لحوار استراتيجي لإيجاد الحلول لقضايا تحتل موقع الصدارة على أجندة العالم. ويعزز من إيصال رسالة المنتدى، توثيق علاقاته مع المؤسسات البحثية والإعلامية في دولة الإمارات، والشراكات الاستراتيجية التي تمنح هذا الحدث العالمي مزيداً من التأثير والفاعلية.
وفي جانب آخر للأهمية، تشير عناوين الجلسات العلمية إلى انتقاء أبرز القضايا الملحة التي تشغل الدول والشعوب والنخب السياسية والاقتصادية في كل أنحاء العالم، وتُسهم في تشكيل المستقبل، لوضعها تحت مجهر البحث والتحليل واستخلاص التوصيات والحلول.
يتضمن المحور الجيوسياسي تحليلات ورؤى لأبرز التحولات الجيوسياسية في العالم، وفي العالم العربي، والصراعات الإقليمية غير المحسومة، والقوى الوسطى ودبلوماسية الوساطة، بالتركيز على دور دول الخليج العربي. ويهتم المحور الجيواقتصادي، بقضايا الرسوم الجمركية واتجاهاتها المستقبلية، والنمو الأخضر وتعزيز التحول الطاقي، والمعادن الحرجة ودبلوماسية الممرات الاقتصادية، فيما يناقش المحور الجيوتكنولوجي الفجوة العميقة بين الدول الصغيرة والمتوسطة تكنولوجيّاً في عصر الدول الفائقة تكنولوجيّاً، وتأثير الذكاء الاصطناعي المحتمل في مستقبل الحوكمة والمجتمعات والثقافة، وموقع دول الخليج من دور التكنولوجيات الجديدة في إعادة تشكيل موازين القوى.
وليس هناك من شك في أن النسخة الثانية من المنتدى سوف تُرسِّخ المكانة العلمية والبحثية للمنتدى التي أسفرت عنها أعمال نسخته الأولى، في سبتمبر 2024، تحت عنوان «نظام عالمي مضطرب: قراءة في المفاهيم، والتشكيل، وإعادة البناء»، بما طرحته من أفكار ورؤى، لفهم واقع النظام الدولي واستشراف مساراته المستقبلية، والنجاح في تأكيد موقع الدولة بوصفها الفضاء الأفضل عالميّاً للحوار والتواصل والفهم المشترك، والبحث عن رؤى تعزز الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم، وتدعم إمكانيات العيش المشترك، والتعاون في مواجهة التحديات التي تهدد الإنسانية.
ويتسق ما سبق مع اختيار اسم «هيلي» لهذا المنتدى العالمي، ليشير إلى أن تقاليد «الحوار والتواصل»، ليست طارئة أو مُستحدثة في دولة الإمارات، بل هي سمة أصيلة ضاربة في القدم في موروث الدولة السياسي والاجتماعي، والقيم التي تشكل شخصيتها الحضارية، فلقد كانت منطقة «هيلي» الأثرية منذ آلاف السنين ملتقى مزدهراً لطرق القوافل والتجارة الواسعة بين دول وأمم وحضارات شتى، وعلى أرضها كان الجميع يلتقون ويتحاورون في مشهد يعكس التسامح والتنوع والتعايش منذ أقدم العصور. وإذ تؤكد دولة الإمارات مكانتها العالمية الحالية مركزاً لهذه القيم، فإنها إنما تتواصل مع موروثها الأصيل، وتاريخها العريق، والمكنون الحضاري الذي بقيت جذوته مُتقدة على امتداد العصور.
*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.


