كلما حلَّت ذكرى مولد النبي الحبيب عاجت القلوب إلى الجناب الشريف، تطلب أنساً وبعضاً من حديث، يُبرِز قدر هذا النبي الكريم، الذي كان ولا يزال الموْرد الأَصْفى لكل من اتبعه إلى يوم الدين.
كان الرسول صلى الله عليه وسلم يجسّد الكمال البشري، الذي يراه الناس بينهم يأكل الطّعام ويمشي في الأسواق، يعلمهم الحكمة ويتمم لهم مكارم الأخلاق، وهل هنا أجلى من مكرمة الرحمة، التي كانت خلقه البارز، وأبرز معلم من معالم وجوده، بشهادة رب العالمين، «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين» [الأنبياء/ 107]، وبشهادته هو عليه السلام: «إنما أنا رحمة مهداة».
لقد شعر المسلمون عبر تاريخهم بأثر رحمته عليهم، مع تعاقب السّنين وكرور الأيام، فحرَصوا أن يبقوا هذا الأثر حياً، فكانت كتاباتهم القلب النّابض والروح النّاطق بما يعتلج في ضمائرهم من محبّة وشوق ووصال، فقد اشتهرت كتبٌ كثيرة، ومواقف متعددة لا تزال تُحَدِّث بآثار نبيٍّ خالطت محبتُه بشاشة قلوبٍ ظمأى إلى رحمة هذا النّبي، من ذلك أنه فضلاً عن الصلاة الإبراهيمية، التي كانت ورد المسلمين الرسمي، أحدث المسلمون صلوات أخرى تخرج من نفس النبع، مثل «دلائل الخيرات وشوارق الأنوار في ذكر الصلاة على النبي المختار» للشيخ محمد بن سليمان الجزولي، الذي عاش في القرن التاسع الهجري، والذي لقي القبول عند المسلمين بأحزابه الثمانية، فأصبح الصَّاحبَ لكثير من محبي الرسول يرددونه في مجالسهم بعشق ظاهر. ومن الكتب التي لقيت القبول أيضاً عند المسلمين كتاب الإمام محمد بن عيسى الترمذي في «الشّمائل المحمدية»، والذي أشاد به ابن كثير كثيراً، واعتبر هذا الكتاب أصلاً في الحديث عن الأخلاق النبوية، التي كان الناس يتطلعون دوماً إلى الاقتباس منها والتّحلي بها، وهي أخلاق تُبرز في تعامله صلى الله عليه وسلم اليومي مع الأولياء والخصوم. ومن عجائب هذا الكتاب أنه كان أول كتاب تم طبعه، بمدينة مكناس، عندما دخلت المطبعة الحجرية إلى المغرب. ومن الكتب التي تَضوَّعَ منها أريج المصطفى عليه السلام حتى بلغ الخافقين كتاب القاضي عياض، أحد رجالات المغرب، والذي عاش في القرن السادس للهجرة، والموسوم بـ«الشفاء بتعريف حقوق المصطفى» بأقسامه الأربعة التي تبرز القدر الواجب للنبي الكريم من التعظيم والاحتفاء، وهو كتاب احتل مكانة بارزة في التراث العربي الإسلامي مصدراً من مصادر التعرف على سيرة المصطفى وقدره العظيم.
إن الاهتمام بالرحمة المهداة إلى العالمين لم يقتصر على المتخصصين في العلوم النّقلية، وهم كثر، وأعمالهم في حق المصطفى لا تكاد تُعد، بل إننا نجد لأصحاب العلوم العقلية من الفلاسفة نصيباً من الاهتمام بشخص النبي الكريم، وإن كان لهذا الاهتمام مَيْسمٌ خاص. فقد كان كل من المتكلمين والفلاسفة حريصين على إثبات نبوة محمد عليه السلام ضداً على من أنكروا نبوته من غير المشاركين لنا في الملة، فكان للمتكلمين القدح المعلى في إثبات نبوته عليه السلام، وأبرز مثال على ذلك كتاب «إثبات النبوات» الشهير لأبي يعقوب السجستاني بمقالاته السبع، يعضده نفس فلسفي وكلامي متين. وعندما قام الرواندي والرازي الطبيب بالتّشكيك في النّبوة قام الفارابي وأسّس نظرية للنبوة من أبدع النّظريات الفلسفية الرّائقة والمتماسكة، والتي تردّد صداها عند ابن سينا وابن رشد، هذا الفيلسوف الأندلسي الأخير الذي خصص فقرات جميلة لإثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وجعل إتيانه بالشرائع، التي لا يأتي بها إلا نبي، من أكبر الأدلة على نبوته صلى الله عليه وسلم.
فصلّى الله وسلم على الرّحمة المهداة.
*مدير مركز الدراسات الفلسفية بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية.


