في التاسع من سبتمبر 2025، أقدمت إسرائيل على خطوة غير مسبوقة عندما استهدفت بضربة جوية مقرّ قيادة لحركة «حماس» في العاصمة القطرية الدوحة، حيث كان عدد من قادة الحركة مجتمعين لبحث ملف التهدئة ومفاوضات وقف إطلاق النار.
العملية التي وُصفت بأنها «ضربة دقيقة» من قبل الجيش الإسرائيلي، مثّلت تصعيداً نوعياً تجاوز حدود المواجهة التقليدية إلى استهداف مباشر داخل دولة خليجية ذات سيادة، ما فتح الباب أمام موجة واسعة من التساؤلات والتداعيات السياسية والأمنية في المنطقة.
توقيت العملية لم يكن عابراً، إذ جاء في خضم مفاوضات شاقة تقودها قطر بالتعاون مع الولايات المتحدة ومصر من أجل الوصول إلى اتفاق يوقف نزف الدم في غزة. استهداف الاجتماع في قلب الدوحة يعني عملياً ضرب مسار الوساطة، وتوجيه رسالة مزدوجة: أولاً، لـ «حماس» بأن قيادتها ليست في مأمن حتى في الدول التي تستضيفها، وثانياً، لقطر بأن دورها كوسيط قد يكون مهدداً أو محل اختبار.
ردة الفعل القطرية جاءت حازمة، إذ وصفت الضربة بأنها انتهاك سافر للقانون الدولي وعدوان على السيادة الوطنية. هذا الموقف ينسجم مع حساسية الموقف الخليجي، حيث أكّد معالي الدكتور أنور قرقاش أن أمن دول الخليج لا يتجزأ، مجدداً التضامن مع قطر في مواجهة الاعتداء. هذه الرسائل تعبّر عن إدراك خليجي بأن المساس بدولة عضو هو مساس بالمنظومة ككل، وهو ما يعيد التذكير بأن استقرار المنطقة لا يحتمل المغامرات العسكرية العابرة للحدود.
الضربة الإسرائيلية تطرح عدة إشكاليات استراتيجية. أولها أن ساحة المواجهة لم تعد مقتصرة على غزة أو جنوب لبنان أو حتى سوريا، بل امتدت إلى دولة تستضيف أكبر قاعدة عسكرية أميركية في المنطقة، ما يجعل العملية أكثر خطورة على توازنات الأمن الإقليمي. ثانيها أن العملية قد تُفشل أي فرصة حقيقية لاستئناف التهدئة، وتفتح الباب أمام جولة جديدة من التصعيد وردود الفعل، سواء من «حماس» أو من داعميها الإقليميين. ثالثها أن ضرب وساطة قطر يضعف أحد المسارات القليلة المتاحة دولياً لإدارة الصراع، ويقوّض الثقة في آليات الحلول السياسية.
دولياً، ستكون لهذه العملية انعكاسات واسعة. فإسرائيل بهذا الفعل تعلن أنها مستعدة لتجاوز القواعد غير المعلنة للصراع، في وقت يشهد فيه الإقليم تحولات دقيقة. كما أن تحميل أطراف دولية مسؤولية ضمنية أو ضوءاً أخضر للعملية، إن صحّت الأنباء، يضيف بُعداً جديداً من التعقيد إلى شبكة التحالفات والعلاقات الدولية.
المشهد إذن أمام مفترق طرق. فإذا كان الهدف الإسرائيلي هو إضعاف قيادة «حماس» وإرسال رسائل ردع، فإن النتيجة المباشرة قد تكون على العكس تماماً: تصعيد الغضب الشعبي، تقويض مسارات الوساطة، وزيادة هشاشة الأمن الإقليمي. أما قطر، فهي اليوم أمام تحدٍ صعب: كيف تحافظ على دورها كوسيط موثوق في ظل استهداف سيادتها بشكل مباشر؟
ما جرى في الدوحة ليس مجرد حادثة عابرة، بل محطة فاصلة في مسار الصراع، تُظهر أن النزاع الفلسطيني الإسرائيلي لم يعد محصوراً في جغرافيته المعتادة، بل بدأ يتخذ طابعاً أكثر اتساعاً وخطورة، وهو ما يستوجب من الدول العربية والإقليمية إعادة تقييم أدواتها وخياراتها السياسية والأمنية في المرحلة المقبلة.
*لواء ركن طيار متقاعد.


