الإمارات تملك العديد من أدوات القوة الناعمة، ومن أبرزها مراكز البحوث، وهي مؤسسات معنية بالفكر والتحليل، ومن بينها يأتي مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، كمنارة معرفية تواصلت معها منذ العام 1996 وما زلت أغترف من بحر أنشطتها المكثفة.

قبل أيام كنت ضيفاً على النسخة الثانية من منتدى هيلي، النشاط الأحدث للمركز، وقد حققت مبتغاي المعرفي، خلال فترة انعقاد المنتدى الذي جمع على مدار يومين نخبة من المسؤولين والمتخصصين والمفكرين في شتى مجالات المعرفة البشرية. جميل أن تسمع في منتدى هيلي كل الآراء على منصة واحدة تجمع العالم أجمع في بوتقة من الفكر المستنير. إننا في زمن نبحث فيه عن ميناء سلام، سلام الفكر والنفس مع محيطنا الأكبر، حتى نلقي عليه بظلال من قيم العظمة الإنسانية والتسامح البشري والتعايش السلمي. قيل لابن عباس ماذا تريد؟! قال: لا أعدل بالسلامة شيئاً، ويقول ابن عربي الأندلسي: نحن أبناء اللحظة، وقال أيضاً: نحن أبناء الوقت. دعنا ندخل إلى أروقة «المنتدى» الذي يرمز إلى أن الإمارات في وقتها الراهن تساوي أحقاباً من زمن الحضارات البشرية، و«هيلي» بما يرمز إليه من حوار وتواصل، جزء يرسخ لها جذور التاريخ التليد.

ماذا ينقص العالم اليوم؟! سؤال برز على طاولة يحيط بها سفير من فرنسا وسيناتورة من فرنسا، سيدة عميقة في الفهم والطرح قضت من عمرها 18عاماً في هذه المهمة الشاقة. بادرت هي بالقول: ينقص العالم اليوم قادة مثل المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، حفظه الله، والأمير محمد بن سلمان. القائد لا بد أن يكون له رؤية واضحة للأمور، ونظرته دائماً إلى البعيد، وليس تحت الأقدام، ولا عند طرف الأنف، ولا ينقذ العالم مما يعانيه إلا قادة. الحديث لا يزال مستمراً مع السيناتورة، أكبر مشكلة تواجه العالم اليوم، بل أصبحت ظاهرة، هي الإرهاب والتطرف حتى في الغرب، وفي ظرف ثوان أخرجت لنا من هاتفها النقال خارطة فيها توزيع للإرهاب، فكان اللون الأصفر يشير إلى أنه أينما وُجد الذهب، كان الإرهاب حاضراً، وهو لا يعالج بمزيد من القتل، بل بشحنات فكرية مضادة تقضي في النهاية على الفكر الإرهابي من الجذور.

هذا جزءٌ يسير مما دار في أروقة المنتدى، أما الجزء الأكبر فما بصرناه من المشاركين على المنصة. ومن أبرز ضيوف المنتدى «أفريقيا»، وأعني بذلك التغييرات التي اجتاحت العالم في الاتجاه نحو هذه القارة بشدة، بدأ الاستثمار ينصب عليها صباً، والأرباح تتدفق عليها، ويكفي أن نضرب مثلاً بأن دولة خليجية واحدة، بل شركة واحدة في هذه الدولة بلغت استثماراتها في خمس دول أفريقية قرابة 300 مليار دولار، وقس على ذلك الصين وروسيا، وهكذا.

كما ذكر أحد الوزراء السابقين في نيجيريا، بأن التغير طال طريقة العمل مع دول كانت «تستعمر» ثروات أفريقيا، وتتصدق عليها بدراهم بخسة، لكن الوضع تغير لأن قائمة الشروط صارت أفريقية، لأن حجم الثروات من النفط والغاز والذهب والمجوهرات مهولة، فيكفي أن نقول إن 90% من احتياطيات معدن «الليثيوم» توجد في أفريقيا، وأي دولة لا تستطيع أن تستغني عنه، وكل مكونات التكنولوجيا الحديثة تعتمد على هذا المعدن بشكل رئيس.

*كاتب إماراتي