في عصر تتسارع فيه الرقمنة وتتعدد فيه قنوات المعرفة، تطل مبادرة مركز أبوظبي للغة العربية لإنشاء مكتبة عربية رقمية شاملة كجسر حضاري يعبّر بالموروث الثقافي إلى فضاءات المستقبل.والمشروع، الذي يتم بالتعاون بين دائرة الثقافة والسياحة في أبوظبي و«أمازون»، لا يقتصر على جمع الكتب في فضاء افتراضي، بل يسعى إلى بناء منصة معرفية متكاملة تتيح للقارئ العربي الاطلاع على رصيد واسع من النتاج الأدبي والفكري، بما يعزز مكانة اللغة العربية في العالم الرقمي ويمنحها حضوراً متجدداً على مسرح الحضارات المعاصرة.
وتعكس هذه الخطوة الرؤية الاستراتيجية لدولة الإمارات في جعل المعرفة محوراً للتنمية المستدامة. فالمكتبة الرقمية تمثل امتداداً طبيعياً لمسار طويل من المبادرات التي أطلقتها القيادة الرشيدة لتعزيز الثقافة وترسيخ الهوية الوطنية، بدءاً من «تحدي القراءة العربي» وصولاً إلى «عام القراءة»، لتؤكد أن الاستثمار الحقيقي يكمُن في بناء الإنسان والارتقاء بفكره، وأن الثقافة ليست ترفاً، بل أساس لكل نهضة حقيقية.
وما يميز المبادرة أنها لا تتوقف عند حدود الجغرافيا، فهي لا تستهدف القارئ الإماراتي فقط، وإنما تتوجه إلى كل قارئ عربي أينما كان، إذ تتيح المنصة الرقمية محتوى متنوعاً يشمل الأدب والفكر والعلوم والفنون، مع اعتماد أحدث تقنيات الفهرسة والبحث والتصفح لضمان تجربة معرفية شاملة وسلسة للباحثين والطلاب والمهتمين، لتتحول بذلك إلى بوابة جامعة للمعرفة العربية.
ويكتسب المشروع زخماً إضافياً من خلال الشراكة مع شركة «أمازون» العالمية، بما تملكه من ثقل تقني وريادة في مجال البنية التحتية السحابية وإدارة المنصات الرقمية، فالتعاون مع هذه الشركة العملاقة يضمن تطبيق أعلى معايير الأمان والحفظ وسهولة الوصول إلى المحتوى، كما يتيح الاستفادة من خبراتها في الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات لتطوير تجربة القارئ العربي. ولا شك أن حضور «أمازون» في هذا المشروع لا يضفي عليه موثوقية فحسب، بل يمنحه بُعداً دولياً يجعله منافساً للمكتبات الرقمية الكبرى، ويكرّس من مكانة أبوظبي كمركز رائد لصناعة المعرفة الرقمية.
وعلى صعيد المخرجات العملية، تستهدف المبادرة إتاحة آلاف الكتب الصوتية والإلكترونية باللغة العربية خلال السنوات الثلاث المقبلة، بالتعاون مع ناشرين من مختلف أنحاء المنطقة. وهي خطوة تسهم في تعزيز المحتوى العربي المتاح، وتفتح الباب أمام صناعة نشر أكثر حداثة وانفتاحاً، تجمع بين أصالة النتاج الفكري والأدبي العربي وأحدث ما أفرزته التكنولوجيا في القراءة الرقمية والاستماع التفاعلي، بما يضمن وصول المعرفة إلى شريحة أوسع من القراء والمستمعين على امتداد العالم العربي.
ومن منظور آخر، تأتي المكتبة استجابة عملية للتحديات التي تواجه اللغة العربية في فضاء الإنترنت، إذ تسد فجوة كبيرة بين حجم المحتوى العربي ومحتوى اللغات الأخرى. فاللغة، كما هو معروف، لا تزدهر إلا بانتشارها على المنصات الحديثة، ومن هنا تبرز أهمية هذه المبادرة في تكريس حضور العربية لغةً للعلم والمعرفة والثقافة، قادرةً على مخاطبة الأجيال المقبلة بثقة وقوة.
كما يشكّل المشروع أرضية للتكامل الثقافي العربي، إذ يفتح المجال أمام دور النشر والجامعات والمكتبات الوطنية للتعاون في إثراء المنصة وتبادل الخبرات. وبهذا، تتحول المكتبة إلى فضاء تفاعلي يجمع المؤسسات الثقافية والتعليمية ضمن مشروع معرفي جامع يخدم الإنسان العربي في كل مكان، ويعيد صياغة العلاقة بين القارئ والكتاب في العصر الرقمي. وتجسّد المبادرة في الوقت نفسه التزام أبوظبي بمكانتها كمركز عالمي للثقافة والمعرفة، عبر مشاريع نوعية تعزز الحضور العربي في العالم الرقمي، وتفتح آفاقاً جديدة للإبداع والابتكار.
إن مبادرة إنشاء مكتبة عربية رقمية ليست مجرد مشروع ثقافي محلي، بل هي رسالة حضارية موجهة إلى العالم، مضمونها أن الأمة العربية قادرة على استعادة مكانتها في ميادين الفكر والمعرفة. إنها خطوة تعكس طموح الإمارات في أن تكون حاضنة للريادة الثقافية والمعرفية، وأن تضع اللغة العربية في قلب المستقبل الرقمي بثبات وثقة، لتظل الثقافة جسراً للتواصل بين الشعوب وأداة لصناعة الغد المشرق.
*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.


