لم يكن في إمكان دول مجلس التعاون الخليجي أن تتعامل مع الاعتداء على دولة قطر بأقلّ مما فعلت حتى الآن، وستأتي الأيام المقبلة بردود فعل عملية عديدة، إذ لا يمكن التهاون إزاء انتهاك السيادة أو اعتبار أن الاعتداء الإسرائيلي حدثٌ عابر. وبعدما أبدى القادة مواقفهم السياسية، في الإطار الخليجي، كما في القمة العربية الإسلامية، كانت لوزراء الدفاع ورؤساء الأركان كلمتهم في ما يتعلق بتحديث الخطط الدفاعية واعتماد الإنذار المبكّر، خصوصاً أن «رواية» وزارة الدفاع الأميركية عن أن الضربات الصاروخية الإسرائيلية على الدوحة أُطلقت فوق البحر الأحمر لتفادي اختراق أجواء أي دولة أخرى، لم تغيّر شيئاً في طبيعة اعتداء لم يكن له أي مبرّر، ما لم تكن أهدافه أبعد من مجرد اغتيال قادة حركة «حماس»، وحتى هذا الاغتيال ما كان ليحقق لإسرائيل «النصر» الذي تبحث عنه منذ عامين، ولا تتصوّره إلا بالقتل والتجويع والتدمير، والآن بالاستعداد للتهجير.

كانت المواقف التي تبنّتها القمة العربية الإسلامية شاملة وواضحة في إظهار الأبعاد الإقليمية للأزمة، وانعكاسات التأزّم والعجز الدوليين عليها. فالتضامن مع قطر، الدولة المعتدَى عليها، أمرٌ حاصل ومحسوم، لكن القمة حرصت في بيانها الختامي على رؤية العدوان كاستكمال لما سبقه من «جرائم الإبادة الجماعية، والتطهير العرقي، والتجويع والحصار، والأنشطة الاستيطانية والسياسة التوسعية»، لتعلن أنه «يقوّض فرصَ تحقيق السلام والتعايش السلمي في المنطقة ويهدد كلَّ ما تم إنجازه على طريق إقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل، بما في ذلك الاتفاقات القائمة والمستقبلية».

وقد أطلق هذا العرض السريع للحقائق المروّعة، مع مقارنته بإرادة السلام، رسالةً سياسيةً قويةً، قوامُها أن هناك خيارين في المنطقة: أولاً أن قادة العرب والمسلمين يرفضون كلَّ ممارسات إسرائيل ويحتكمون للقانون الدولي في شأنها باعتبارها جرائم ضد الإنسانية. وثانياً، أنهم يبذلون جهدَهم لإنقاذ السلام والتعايش السلمي، لكن طرفاً واحداً في المنطقة برهن أنه لا يريد سوى الحرب، وهو يعلم أن هذه الحرب ممقوتة عالمياً ومطلوبٌ وقفها فوراً.

أرادت قمةُ الدوحة أن تُبقي خيارَ «الاعتدال» حيّاً، لكنها أكدت إدراكَها المخاطرَ القائمةَ والمتوقّعةَ، خصوصاً بعدما أصبحت الجهودُ الديبلوماسيةُ موضعَ استهداف لئلا تنجح في تعطيل «خيار التطرف» بمواصلة الحرب. ذاك أن التهديدات استمرّت ضد دولة قطر ودول عربية وإسلامية أخرى، كما أن هناك «مخططات إسرائيلية لفرض أمر واقع جديد في المنطقة» («إسرائيل الكبرى») تتجاهل مِن جهةٍ موجبات الأمن والاستقرار الإقليميين، وتحاول من جهة أخرى التغطيةَ على الكارثة الإنسانية في غزّة لتمرير تهجير الشعب الفلسطيني من أرضه، وكذلك الاستيلاء بالقوّة على الضفة الغربية أو أجزاء منها دون أي مسوّغ قانوني.

وإذ بقيت الشرعيةُ الدوليةُ وقوانينُها الركيزةَ السياسيةَ للقادة العرب والمسلمين في قمة الدوحة، فإنهم وجدوا في «الرؤية المشتركة للأمن والتعاون في المنطقة»، التي أصدرتها الجامعةُ العربية أخيراً، صيغةً مناسبةً لتأكيد «مفهوم الأمن الجماعي والمصير المشترك في مواجهة التحديات المشتركة».

وانطلاقاً من ذلك كان الترحيب بـ«إعلان نيويورك» لتنفيذ «حل الدولتين» وتأكيد أن السلام في الشرق الأوسط «لن يتحقق بتجاوز القضية الفلسطينية، بل بالتزام مبادرة السلام العربية وقرارات الشرعية الدولية».

على هذه الخلفية السياسية الشاملة، المستندة إلى القوانين الدولية، لا بد من مواجهة واقع التهديدات الأمنية التي تعمل إسرائيل على توسيعها من فلسطين ولبنان وسوريا إلى عموم المنطقة. لذا كان قصف الدوحة بمثابة «خطّ أحمر» و«إنذار مبكّر» لمنع المسّ بأمن الخليج واستقراره باعتباره الأملَ الأخيرَ لاستعادة المنطقة العربية أمنَها واستقرارَها.

*كاتب ومحلل سياسي - لندن