تشبه السياسة الدولية لعبة مكعبات البازل، حيث لا تكتمل الصورة إلا بربط الأحداث بعضها بعضاً. من هذا المنطلق تبدو أهمية أن نعود إلى الوراء قليلا حيث قمة منظمة شنغهاي التي استضافتها الصين نهاية أغسطس الماضي، فقد تمخضت عن نتائج مهمة يمكن اعتبارها خطوة على طريق تدشن نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب في ظل أحداث متلاحقة وتطورات متشابكة.
الاهتمام بهذه القمة والعودة إليها منطقي انعكاساً على ما يشهده الشرق الأوسط من أحدث، وفي ظل صراع القوى العظمى على بسط نفوذها وتأكيد سيطرتها على المنطقة وثرواتها، والسؤال الذي يفرض نفسه، هل حانت اللحظة التي ننتظرها ويتحدث بها الخبراء والمحللون طوال السنوات الماضية؟
والتصور الذي قدمته لنا قمة شنغهاي، وفق الخبراء والمختصون يشير إلى أن النظام العالمي الجديد قد بدأت ملامحه تتشكل بالفعل، بل إن بعض هؤلاء الخبراء (ربما بدافع التمني) تسرع في طرحه ليزف لنا النبأ بأن زمن القطب الواحد قد ولى إلى غير رجعة.
لكن، عزيزي القارئ، أرجوك انتبه، تريث قليلاً، الأمر ليس بهذه البساطة، فالصورة لم تتضح بعد، وموازين القوى لم تتغير بما يشير إلى هذه النتائج الكبيرة، التغيير يحدث لكنه ليس على النحو الذي يروج له البعض، وكأن الولايات المتحدة (القطب الأوحد المنفرد بقيادة العالم) قد رفع راية الاستسلام وقبل بنهاية حقبته، وارتضى بأن يشاركه آخرون في إدارة الكوكب.
وبعد مرور نحو ربع قرن على انطلاقة دورتها الأولى ربما دشنت قمة شنغهاي مرحلة جديدة في الصراع الدولي، حيث رفعت لافتة واضحة تؤكد رفضها لانفراد قوى عظمى وحيدة بقيادة العالم، لكنها ما تزال لا تملك مصادر القوة الكافية، والتي تدعم رؤيتها في إزاحة أميركا عن مقعد الزعامة منفردة.
انعقدت القمة في تيانجين بالصين، في وقت يتسم بتعقيدات جيوسياسية واقتصادية متزايدة، وفي ظل تصاعد التحديات التجارية بين الشرق والغرب، وتراجع الثقة في بعض المؤسسات المالية الغربية، إضافة إلى النزاعات الإقليمية المستمرة كما هو الحال في أوكرانيا (قلب القارة الأوروبية العجوز) أو في غزة، حيث أقدم وأخطر صراعات الشرق الأوسط.
القمة لا شك شكلت نقطة تحول رئيسة، ووضعت أساساً مشتركاً لترتيب أولويات دول المجموعة، التي تضم حوالي 3.2 مليار نسمة، (أي ما يقارب 40% من سكان العالم ونحو 25% من الناتج العالمي و20% من التجارة الدولية)، ويبدو أنها قد عقدت العزم على المضي قدماً في السير نحو التحول إلى مركز عالمي مشارك في صياغة مستقبل الكوكب.
ومن هذا المنطلق وجهت القمة عدة رسائل إلى الغرب، استقبلتها العواصم الغربية بكثير من القلق، وشكل «انتقال الهند إلى المعسكر المناهض للغرب» على وجه الخصوص الحدث الأبرز في «القمة»، مع الإشارات إلى خطوات لطيّ صفحة التوتر التقليدي بين الهند والصين.
اهتمامنا بالقمة ليس من فراغ، خاصة وأنها حملت رسائل إستراتيجية، لن تبقي نتائجها محصورة داخل حدود دولها، بل سيمتد أثرها إلى العالم بأسره، والنظر بعمق سوف يجعلنا نفهم فلسفة القيادة الإماراتية في عقد شراكات وتدعيم علاقات متوازنة مع الجميع دون الدخول في صراعات تضر ولا تفيد، فبينما شراكتنا مع واشنطن استراتيجية فإن ذلك لم يمنع امتداد العلاقات مع موسكو وبكين وغيرها من العواصم شرقا وغربا وحتى أدغال القارة الأفريقية وأميركا الجنوبية في إطار سياسة خارجية شعارها التعاون في الخير، وبما يعود بالنفع ويعزز فرص السلام والاستقرار والتنمية المستدامة لجميع الشعوب.
عودة إلى السؤال الذي بدأنا به، هل دشنت القمة مرحلة جديدة تعلن قيام نظام دولي متعدد الأقطاب مع نهاية عصر القطب الأحد؟ الإجابة ليست بـ «نعم» أو «لا»، بل هي أكثر تعقيدًا، إننا نعيش مرحلة انتقالية تتميز بـ فوضى وتحول وعدم استقرار، وهذه الفترة بكل أسف أكثر خطورة من استقرار القطبية الثنائية أثناء الحرب الباردة أو الأحادية، بسبب عدم وضوح القواعد وزيادة احتمالية سوء التقدير.
لا شك أن العالم اليوم بما يعيشه من اضطرابات، بات في حاجة ماسة إلى نظام عالمي جديد، لكن علينا أن ننتبه، فالأمر ليس بهذه الخفة، وموازين القوى تتحرك في اتجاهات عدة، وكل الأطراف تواصل دعم ترسانتها، وتعزز أسباب قوتها، ومن ثم فالتغيرات لن تتم في يوم وليلة، قطار التغيير انطلق بالفعل، لكن أمامه مشوار طويل ولا أحد يمكنه التنبؤ بوجهته وآليات عمله، ومن هم الذين استقر بهم الحال على مقعد القيادة، وإلى أين المصير.


