ما تزال وقائع الاعتراف بالدولة الفلسطينية والتي شملت أكثر من ثلثي الأعضاء بالأمم المتحدة، تثير الإعجاب، وفي الوقت نفسه لا يخلو الأمر من هواجس ومخاوف عندما يجتمع ترامب بنتنياهو. مع أنّ ترامب في اجتماعه مع الفريق متعدد الأطراف والذي شمل خمس دول عربية وثلاث دول إسلامية، بدا متحمساً لوقف النار في غزة وإطلاق سراح الرهائن والتفاوض على من يدير غزة بعد زوال سيطرة «حماس».
لكن حتى لو جرى وقف النار وأُزيلت سيطرة «حماس»، فمن الذي يحلُّ محلَّها؟ تُذكر جهات عربية وإسلامية ودولية. وكل ذلك يحتاج إلى وقت وتنظيم وقدرة من جانب المنتظمين على الحراك وعلى التمويل، والتفكير بطرائق واقعية ومستقبلية.
أما الملفّ الآخر والأكبر فهو ملف الدولة الفلسطينية، هو الأكبر لأنه يعرض حلاًّ شاملاً للمشكلة بحيث تكون لدى الشعب الفلسطيني حقوق تقرير المصير تفضي إلى دولةٍ مستقلة منزوعة السلاح تعيش إلى جوار إسرائيل بسلام!
لا يوافق نتنياهو وحكومته على مشروع الدولة ويزعمون أنها جائزة لحماس(!) وكيف تكون كذلك إذا كانت «حماس» قد شنت حربها منذ أواسط التسعينات من القرن الماضي ضد حل الدولتين الذي جرى التوافق عليه في أوسلو عام 1993. زعمت «حماس» أنها تريد تحرير كامل فلسطين ولا تقبل بتحرير جزءٍ منها. بينما كانت الغالبية في إسرائيل موافقة على حل الدولتين ولكي يحول «الحماسيون» بدعمٍ من حافظ الأسد وإيران دون نفاذ حل الدولتين شنوا هجمات انتحارية مدمرة ضد المدنيين الإسرائيليين، فالتقوا بذلك مع اليمين الإسرائيلي الذي لم يكن يريد الحلّ وأقدم يميني على قتل إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل وشريك عرفات في اتفاقية أوسلو عام 1995!
تسببت «حماس» بالاستيلاء على غزة عام 2007 في انقسام النضال الوطني الفلسطيني. وبُذلت جهود كبيرة من جانب السعودية ومصر وقطر للتوحد من جديد دون جدوى. وانصرفت «حماس» لتشديد قبضتها في القطاع والتحرش بين الآونة والأخرى بإسرائيل فتجيب الدولة العبرية بحربٍ شعواء تقتل المئات والآلاف فتتدخل مصر وقطر لوقف النار، هكذا جرى أربع مرات إلى أن كان تحرشها الأخير الكبير الذي أفضى إلى حربٍ لمدة سنتين قتلت خلالها إسرائيل ما لا يقل عن سبعين ألفاً أكثر من نصفهم من النساء والأطفال.
«حماس» تعرف إسرائيل حرباً وتخريباً وتقدماً تكنولوجياً فلماذا تحرشت وتسببت بخراب القطاع كله؟ لا تعليل إلا أنها ميليشيا مسلحة والميلشيات لا تشتغل وتزدهر إلا في الحروب والخراب، والعمل للخارج. وزاد الطين بلة أن إسرائيل أيضاً في عهد هذه الحكومة لا تسلك سلوك الدولة بل الميليشيا أيضاً!
منذ الشهر الأول للحرب البادئة في 7 أكتوبر 2023 هبت الدول العربية جميعاً لوقف الحرب. ولقيت ما لقيت من المصاعب إضافةً لضغوط الجمهور المفجوع وضغوط الرئيس ترامب الذي اعتاد على دعم نتنياهو يومياً تقريباً!
بالإضافة إلى جهودها من داخل المؤسسات الدولية، والمساعدات الإنسانية المنقطعة النظير، والتحاور المتوتر مع ترامب - سلكت الدول العربية والإسلامية مسلكاً آخر، فطورت السعودية مع فرنسا مبادرةً من أجل حل دائم للنزاع يتمثل في حل الدولتين. وانعقدت لذلك عدة مؤتمرات وصولاً إلى المنبر الدولي ثم الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث اعترف ثلثا أعضاء الأمم المتحدة وأكثر بدولة فلسطين.
عدة أمور ما عاد يمكن نكرانها: لا سلام من دون الدولة الفلسطينية – لا يستطيع تنظيم مسلح أن يحرر أو ينشئ دولة - إلى جانب الخلاص من «حماس» لا بد من الخلاص من الميليشيات الأخرى، لكي تقوم الدول وتسلم، ومنها ميليشيات لبنان وسورية وميليشيات ليبيا والسودان- التكتل العربي والإسلامي أنتج نتائج باهرة: فهل يمكن القيام بالمزيد من العمل لإتمام الحل في فلسطين والتصدي للجبروت الصهيوني؟!
*أستاذ الدراسات الإسلامية- جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية.