في الهند، شهدت ولاية البنجاب الشمالية، المعروفة بـ «سلة خبز البلاد»، أسوأ الفيضانات هذا العام، تماماً كما عانت من أسوأ موجة حر في العام الماضي. هذه الفيضانات أثرت على مئات الآلاف من الناس، وتسببت في وفاة 65 شخصاً وخسائر تُقدّر بنحو 130 مليار روبية. ورغم أن الفيضانات جزء من واقع شبه القارة الهندية، إلا أن ما يحدث اليوم هو تغيّر في أنماط الطقس، حيث لم تعد مواسم الأمطار الموسمية منتظمة: أصبحت الأمطار أشد غزارة، والجفاف أشد قسوة. هذا التغيّر المناخي مثير للقلق وهو بوضوح نتيجة لظاهرة تغيّر المناخ.
أدت الفيضانات المفاجئة في ولاية البنجاب، والانهيارات الأرضية في المناطق الجبلية بولاية «هيماشال براديش»، والأمطار الغزيرة في ولاية «أوتاراخند» إلى إغلاق أكثر من 200 طريق رئيسي. وقد سلطت هذه الأحداث الضوء على هشاشة المناطق الجبلية المغطاة بالثلوج في منطقة الهيمالايا، ومدى خطورة تغير المناخ في هذه المناطق الحساسة بيئياً. ويعتقد العلماء أن تغير أنماط الطقس يجعل منطقة الهيمالايا أكثر عرضة للخطر. ويشيرون إلى أن ذوبان الأنهار الجليدية يتسارع بسبب تغير المناخ، مما يؤدي إلى زيادة ظاهرة «فيضانات البحيرات الجليدية». وهذا يؤثر على جميع الأنهار التي تجري من جبال الهيمالايا إلى السهول.
في عام 2021، أدى انهيار جليدي في نهر الجانج بولاية أوتاراخند إلى مقتل أكثر من 200 شخص وتلف كبير في محطتين لتوليد الطاقة المائية، إحداهما كانت قيد الإنشاء. وأشار تقرير لباحثي جامعة بوتسدام، منشور في مجلة «إجراءات الأكاديمية الوطنية للعلوم»، إلى أن ذوبان الجليد في جبال الهيمالايا أدى تدريجياً إلى تكوّن أكثر من 5000 بحيرة جليدية، محاطة بتلال أو تجمعات من الحجارة التي وضعها الجليد أو دفعها. وعندما تنفجر هذه البحيرات، تحدث فيضانات مدمرة. حتى المناطق السهلية في شبه القارة الهندية ليست في مأمن من الفيضانات التي تتفاقم بفعل تغيّر الطقس الناتج عن تغيّر المناخ. وحتى المراكز الحضرية تعاني من المشكلة ذاتها كما يظهر اليوم في مدن مثل مومباي وحيدر آباد.
في العام الماضي، شهدت مناطق عديدة في الهند خلال شهري مايو ويونيو أعلى درجات حرارة في سبعة عقود، وكان الفقراء هم الأكثر تضرراً من هذه الظروف المناخية القاسية. وفي نيودلهي، بلغت درجات الحرارة هذا الصيف 49.1 درجة مئوية، محطمة الرقم القياسي المسجل في عام 2019 (48 درجة مئوية). ويصنف قسم الأرصاد الجوية الهندي الموجات الحرارية على أنها شديدة عندما تتجاوز درجة الحرارة 4.5 إلى 6.4 درجات مئوية عن المعدل الطبيعي. ووفقاً للحكومة، توفي 100 شخص في جميع أنحاء الهند بسبب الموجة الحرارية، وأصيب أكثر من 40 ألفاً بضربات شمس. وارتفعت درجة حرارة سطح الأرض في الهند بنحو 0.7 درجة مئوية بين عامي 1901 و2018، وفقاً لتقرير صادر عن وزارة علوم الأرض عام 2020. وفي المناطق الحضرية، يُعدّ العمران الخرساني هو السبب الرئيسي، حيث تكون درجة الحرارة فيه أعلى بنحو درجتين مئويتين على الأقل مقارنة بالمناطق الريفية.
على الرغم من استحالة السيطرة على التقلبات المناخية، إلا أن العلماء يرون أن أفضل خيار هو تعزيز سياسات التكيف مع آثار تغير المناخ والحد من مخاطره عند وقوع ظواهر جوية متطرفة. وهذا يعني اتخاذ إجراءات لتقليل نقاط الضعف. فمثلاً، في حالة الفيضانات في المناطق الحضرية، يكمن الحل الرئيسي في إنشاء أنظمة تصريف مياه فعّالة. ففي المناطق الحضرية، يؤدي تبليط الأسطح إلى منع المياه من التسرب إلى التربة، مما يزيد من حدة المشكلة. أما في منطقة جبال الهيمالايا، التي باتت أكثر عرضة للخطر من أي وقت مضى، فإن البناء العشوائي والتوسع العمراني غير المخطط لهما يُعدان من أهم أسباب تفاقم المشكلة.
وفي أماكن مثل البنجاب، لا تمنع قنوات الصرف الجافة والسدود من حدوث التعرية، وبالتالي لا يمكن السيطرة على الفيضانات، ويصبح الوضع كارثياً في غياب أي إجراءات وقائية. ويرى العلماء أن الحل يكمن في إنشاء أنظمة إنذار مبكر أكثر فعالية، لتتمكن السلطات من إخلاء المناطق المعرضة للخطر في الوقت المناسب، سواء في حال ذوبان جزء من الجليد أو هطول أمطار غزيرة. ومن الإجراءات الأخرى نقل السكان من المناطق المعرضة للفيضانات سنوياً.
مع أن مكافحة تغير المناخ مسؤولية عالمية تتطلب مشاركة جميع الدول، إلا أنه يمكن للدول الفردية اتخاذ تدابير وقائية لحماية أرواح المواطنين في مواجهة الظروف المناخية القاسية.
* رئيس مركز الدراسات الإسلامية - نيودلهي


