باتت المخاطر السيبرانية الناجمة عن إهمال تأمين الاجتماعات الافتراضية والتطبيقات التشاركية المستخدمة فيها، تشكل تهديداً متزايداً في العصر الرقمي الذي نعيشه خاصة مع الاستخدام اليومي والحيوي للتطبيقات والتقنيات الحديثة، فعلى سبيل المثال أصبحت الاجتماعات الافتراضية وسيلة فعّالة للتواصل بين الأفراد والمنظمات، خاصة في ظل ظروف تسارع وتيرة الأعمال بعيداً عن الاجتماعات التقليدية، حيث أدى الاعتماد على وسائل الاتصال الرقمية إلى زيادة الاهتمام بهذه البيئة الافتراضية وانتشارها بشكل واسع سواء على المستويات الشخصية أو على مستويات العمل المختلفة. ومع ذلك، فإن عدم اتخاذ التدابير اللازمة لحماية هذه الاجتماعات يعرض البيانات الحساسة والخطط الاستراتيجية للخطر، ويمنح المهاجمين فرصة لاختراق الأنظمة وسرقة المعلومات.

وكشفت تقارير حديثة عن وجود ثغرات أمنية في كثير من تطبيقات الاجتماعات الافتراضية، والتي تشمل الاجتماعات الحكومية أو الخاصة أو حتى الدروس التعليمية أو حتى الألعاب الإلكترونية، وتغطي جميع درجات تصنيف البيانات من بيانات سرية للغاية إلى بيانات مفتوحة وعامة، حيث تبيّن أن بعض المحادثات الصوتية ومقاطع الفيديو لا تتمتع بالتشفير الشامل، كما تم رصد تسريب عناوين بريد إلكتروني وصور خاصة بالمستخدمين نتيجة لثغرات في هذه التطبيقات، إلى جانب تزايد ظاهرة اقتحام الاجتماعات الافتراضية من قبل جهات خبيثة، فيما يُعرف بـ«قصف الاجتماعات»، ونتيجة لذلك اتخذت عدة دول إجراءات ضد تطبيقات الاجتماعات الافتراضية، حيث حظرت بعض الدول استخدامها لأسباب أمنية، أبرزها ضعف التشفير وإمكانية وصول القراصنة إلى البيانات الحسّاسة.

كما طلبت بعض الهيئات من ممثلي الحكومات الامتناع عن استخدامها في الأمور الرسمية، مشددة على ضرورة اتخاذ تدابير احترازية عند استخدامها. كما رُفعت دعاوى قضائية في الولايات المتحدة ضد إحدى الشركات المطورة لهذه التطبيقات بسبب عدم توفير ميزة التشفير الكامل للمحادثات أثناء الاجتماعات الافتراضية، كما حذّر باحثون من توجيه المكالمات عبر خوادم في دول أخرى، وهو ما أقرّت به بعض الشركات على أنه خطأ تقني تم إصلاحه، لكنه أسفر عن خسائر كبيرة في القيمة السوقية، فيما آثار البعض الآخر مخاوف عدة بشأن قدرة هذه التطبيقات على حماية خصوصية المستخدمين من الاختراقات، خاصة مع تزايد الطلب عليها.

ومن بين المخاطر المرتبطة بهذه التطبيقات هو تزايد احتمالات اختراق الكاميرات، خاصة في حالة عدم تفعيل إجراءات الأمان، حيث يمكن للقراصنة السيطرة على الكاميرات الخاصة بالمستخدمين، مما يتيح لهم مشاهدة جميع ما يحدث أثناء الاجتماعات، وهو أمر يهدد الخصوصية بشكل كبير، ويترتب عليه نتائج خطيرة، مثل تسريب معلومات سرية، وتأجيج النزاعات أو التهديدات الأمنية، فضلاً عن تدمير سمعة الأفراد والمؤسسات، وتعرض الأفراد للخطر النفسي، خاصة عندما تنتهك خصوصيتهم بشكل علني، إضافة إلى إمكانية استغلال الثغرات الأمنية، التي قد تكون نتيجة لضعف كلمات المرور، أو عدم تحديث الأنظمة، أو عدم استخدام أدوات التشفير، في الإضرار بوضع الشركة المالي وعمليات الإفصاح أو استخدام المعلومات في عمليات احتيال أو المطالبة بفدية تدفعها الشركات والمؤسسات خوفاً على بياناتهم المالية والحيوية. ولذا فإن نقص التوعية الكافية بين المستخدمين للمخاطر وكيفية التصرف الصحيح أثناء الاجتماعات يزيد من احتمالية الوقوع في الأخطاء، التي تتيح للمهاجمين التسلل إلى الأجهزة.

ولكن، يمكن اتخاذ العديد من التدابير للحد من هذه المخاطر، بداية من استخدام كلمات سر قوية وفريدة، وتفعيل المصادقة ذات العاملين، وتحديث البرامج بشكل منتظم لضمان إصلاح الثغرات الأمنية، بالإضافة إلى استخدام الشبكات الخاصة الافتراضية (VPN) لتأمين الاتصال، واستخدام برامج مضادة للفيروسات والجدران النارية.

من المهم أيضاً تشفير البيانات، سواء كانت في حالة إرسال أو تخزين، لضمان عدم تمكن المهاجمين من الاطلاع على المحتوى حتى في حالة الاختراق. علاوة على ذلك، ينبغي توعية المستخدمين حول أهمية الحذر عند مشاركة الروابط أو التفاعل مع رسائل، تزعم أنها من جهات موثوقة، بالإضافة إلى تفعيل الإعدادات التي تمنع الوصول غير المصرح به إلى الكاميرات والميكروفونات أثناء الاجتماعات، وتوعيتهم حول أهمية إغلاق الأجهزة أو تعطيل الكاميرات عند عدم الحاجة إليها.

في النهاية، فإن تأمين الاجتماعات الافتراضية ليس مهمة فردية فحسب، بل مسؤولية مشتركة تتطلب التزاماً من المؤسسات والأفراد على حد سواء، حيث إن الوعي والتدابير الوقائية تعتبر من أهم وسائل التصدي للمخاطر السيبرانية، والحد من فرص الاختراقات والنتائج المترتبة عليها، وفي العصر الرقمي الذي نعيشه أصبحت قضية حماية الخصوصية والأمان الإلكتروني بكافة أبعادها ضرورة حتمية، خاصة مع تزايد الاعتماد على التكنولوجيا في حياتنا المهنية والشخصية، ويجب استمرار تطوير استراتيجيات الأمان وتحديثها لمواجهة التهديدات المتجددة والمتطورة باستمرار، لضمان بيئة عمل رقمية أكثر أمانًا وخصوصية.

*رئيس الأمن السيبراني لحكومة دولة الإمارات.