يأتي انعقاد الدورة الحادية عشرة للقمة العالمية للاقتصاد الأخضر (1-2 أكتوبر 2025)، والتي تستضيفها دولة الإمارات العربية المتحدة وتنظمها سنوياً تحت رعاية صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، بالتعاون بين المجلس الأعلى للطاقة في دبي، وهيئة كهرباء ومياه دبي، والمنظمة العالمية للاقتصاد الأخضر، لتعكس حرص دولة الإمارات على تعزيز نهج الاقتصاد الأخضر وتفعيل أدوات حوار أكثر فاعلية، في ظل مستجدات إقليمية وعالمية متسارعة باتت تشكل تحديات تتطلب أساليب وأدوات مبتكرة للتعاطي معها واستكشاف الفرص الكامنة، بشكل يُتيح إدماج أبعاد الاستدامة في الخطط والاستراتيجيات بكافة القطاعات الاقتصادية بالدولة.
والحاصل أن القمة العالمية للاقتصاد الأخضر قد نجحت منذ انطلاقها عام 2014 في ترسيخ مكانتها كمنصة استراتيجية لتعزيز التعاون الدولي في مواجهة التحديات العالمية، ودفع عجلة التنمية المستدامة والاستثمارات في مجال الاقتصاد الأخضر.
وقد شكّلت القمة نقطة التقاء للجهود العالمية الرامية إلى تسريع وتيرة العمل المشترك في قضايا ملحّة، وعلى رأسها التغير المناخي الذي لم يعد مجرد خطر مستقبلي محتمل، بل أصبح واقعاً ملموساً تعاني منه مختلف الدول والمجتمعات، في ظل تزايد حدة الموجات المناخية المتطرفة، مثل الجفاف والفيضانات، والتي تؤثر بشكل مباشر على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والصحي في العالم.
وفي هذا السياق، فقد برزت القمة كمنصة لتبنّي آليات مبتكرة للتعامل مع تلك التحديات، عبر الدعوة إلى خفض الانبعاثات الكربونية من خلال سياسات التحول الطاقي، وتشجيع مصادر الطاقة النظيفة، وتطوير برامج لتعزيز المرونة في مواجهة التداعيات المناخية بغرض الحد من الخسائر والأضرار. كما ركّزت على رفع كفاءة استخدام الموارد الطبيعية وتبنّي ممارسات إنتاج واستهلاك مستدامة.
وتأتي دورة هذا العام من القمة تحت شعار «الابتكار المؤثر: تسريع مستقبل الاقتصاد الأخضر»، لتركّز بشكل أساسي على تعزيز الاستثمارات الخضراء، وتعزيز التكنولوجيا والابتكار، ودعم الطاقة النظيفة والمتجددة، وضمان حلول مناخية عادلة وشاملة للجميع، وتعزيز المرونة المجتمعية والبيئية، وتمكين الأجيال القادمة لقيادة مبادرات الاستدامة، وغيرها من القضايا ذات الصلة، لتتيح منصة حيوية للحوار بمشاركة الخبراء والمختصين من مختلف القطاعات والدول، لمشاركة أفضل الممارسات والخبرات والحلول المبتكرة الداعمة لتسريع وتيرة التحول نحو اقتصاد منخفض الكربون، وبناء مستقبل أكثر مرونة واستدامة.
وفي الواقع، فإن دولة الإمارات قد رسّخت نموذجاً واعداً للاقتصاد الأخضر، حيث بادرت بالتخطيط الاستراتيجي المعتمد على استشراف المستقبل وتحليل الفرص والتحديات المستقبلية بكافة المجالات، وأطلقت في عام 2012 استراتيجية الإمارات للتنمية الخضراء، لبناء اقتصاد أخضر تحت شعار «اقتصاد أخضر لتنمية مستدامة»، وتهدف من خلالها إلى أن تكون دولة رائدة في هذا المجال ومركزاً لتصدير وإعادة تصدير المنتجات والتقنيات الخضراء. كما أطلقت في 2015 الأجندة الوطنية الخضراء – 2030 كاستراتيجية تستهدف تحقيق أهداف التنمية المستدامة وتعزيز الاقتصاد الأخضر عبر أهداف استراتيجية تشمل الاقتصاد المعرفي التنافسي، والبيئة المستدامة وقيمة الموارد الطبيعية، والطاقة النظيفة والتكيف مع التغير المناخي، والتطوير الاجتماعي ونوعية الحياة، والاستخدام المستدام للموارد.
ومن المهم الإشارة في هذا السياق إلى إطلاق دولة الإمارات مبادرة «إيكومارك» كأول إطار اعتماد عالمي للاستدامة مخصص للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة لتعزيز تنافسيتها في قطاعات الاقتصاد الأخضر، وإطلاق هيئة البيئة – أبوظبي برنامج «العلامة البيئية للمصانع الخضراء» لتشجيع المنشآت الصناعية على اعتماد حلول مبتكرة للحد من الملوثات وتطبيق أفضل الممارسات البيئية.
كما أنه من المهم كذلك الإشارة إلى اعتماد معايير البناء الأخضر والمستدام في جميع أنحاء الدولة، إلى جانب الجهود المبذولة في مجالي الطاقة والنقل المستدام لتعزيز خفض الانبعاثات والتكيف مع تغير المناخ.
وتؤكد دولة الإمارات من خلال استضافتها القمة العالمية للاقتصاد الأخضر دورَها القيادي في دعم الاستدامة والتطور البيئي العالمي، إذ توفر منصة للتعاون الدولي وتبادل الخبرات، وتعزّز الابتكار في الاقتصاد الأخضر، وتُترجم التزامها بخفض الانبعاثات وتحقيق التنمية المستدامة، وتسعى لتعزيز الشراكات الاستراتيجية البيئية، مؤكدةً مكانتها كمحفز فاعل للتحول نحو مستقبل بيئي مزدهر وآمن للأجيال القادمة.
*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.


