في أوائل شهر سبتمبر الماضي، استقبل خمسة ضباط شرطة مسلحين الكاتب الكوميدي الأيرلندي «جراهام لاينهان» في مطار هيثرو بلندن، واعتقلوه بسبب سلسلة من المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي هاجم فيها نشطاء اجتماعيين.
كانت هذه الحادثة مثالاً بارزاً على توجه عام في المملكة المتحدة، حيث تشير بعض التقديرات إلى أن الشرطة البريطانية نفّذت أكثر من 12 ألف عملية اعتقال في عام 2023 بسبب منشورات «مسيئة»، بمعدل 33 اعتقالاً في اليوم الواحد. وأثارت قضية لاينهان ضجة كبيرة، لكن المدافعين عن الممثل الكوميدي ركزوا في انتقاداتهم على نظام الرقابة العام ونظام الرقابة الأيديولوجية أكثر من أي شخصية بعينها في حكومة بريطانيا ذات التوجه اليساري. نادراً ما وُصف رئيس الوزراء البريطاني الحالي، كير ستارمر، بأنه مستبد أو عازمٌ على إلقاء أعدائه الأيديولوجيين في السجن.
قارن هذا بقضية «جيمي كيميل» في الولايات المتحدة، حيث اعتُبر تعليق برنامجه الكوميدي لفترة وجيزة تصرفاً «غير ديمقراطي» من الرئيس دونالد ترامب، مُستغلاً رئيس لجنة الاتصالات الفيدرالية كأداة لمعاقبة خصومه.
وباستثناء بعض الليبراليين غريبي الأطوار، لم يشكُ أيٌّ من مُدافعي كيميل من أن لجنة الاتصالات الفيدرالية، كمؤسسة، قد تحوّلت إلى مؤسسة رقابية مستبدة، بل ألقوا باللوم على ترامب نفسه لتحريف صلاحياتها وإساءة استخدام سلطاتها.تساعد هاتان الحالتان في فهم التحولات العامة في السياسة الغربية، حيث بدأت معايير الليبرالية التي سادت بعد الحرب الباردة بالانهيار، وحلّت مكانها نزعات «ما بعد ليبرالية»، وهي نزعات تتجلى في كلٍّ من التيارات التقدمية والشعبوية. وتشمل هذه النزعات الرغبة في الرقابة على الخطاب، وتصاعد الانتماءات الهوياتية، ونفاد الصبر من ادعاءات الحياد والعدالة الإجرائية، والرغبة في اختزال السياسة كلها في صراع وجودي.
لكن هذه الاتجاهات تتخذ أشكالاً مختلفة بوضوح بين اليسار واليمين، وهذا ما يفسر سبب صعوبة فهم كل طرف لمخاوف الطرف الآخر وإدراكه لمصادر الخطر في نظره. يبدأ الانقسام بتفاوت حاسم: ففي كلٍّ من الولايات المتحدة وأوروبا، يحظى اليمين الشعبي بقدر كبير من الدعم الجماهيري، ، لكن نفوذه داخل الأنظمة الإدارية التي يمارس المسؤولون المنتخبون سلطتهم من خلالها أقلّ بكثير.
أما التيار التقدمي، فعلى الرغم من أنه يحظى بتأييد شعبي أضعف نسبياً -إذ يعرّف الأميركيون أنفسهم كمحافظين أكثر منهم ليبراليين منذ عقود- إلا أن أنصار هذا التيار يسيطرون على المؤسسات النخبوية التي تُشكّل وتُدير البنية الفعلية للسلطة، سواء في القطاعين العام أو الخاص.
وبالنظر إلى هذا التباين، وفي بيئة تتزايد فيها الاستقطابات وتفقد المعايير الليبرالية شعبيتها، يُتوقع من كل طرف أن يتبنى نهجاً «ما بعد ليبرالي» يستغل نقاط قوته المميزة. وهذا ما حدث بالضبط، حيث سعى التيار التقدمي إلى تحقيق أهدافه من خلال أساليب بيروقراطية معقدة وغير مباشرة، مستخدماً سلطة الدولة بمهارة لإعادة تشكيل المؤسسات الخاصة، مما أوجد أنظمة قمعية المظهر دون وجود طاغية واضح المعالم، أي أشبه بـ«مكارثية بلا مكارثي».
وفي المقابل، احتشد التيار الشعبوي حول شخصيات كاريزمية من خارج الطبقة السياسية التقليدية، يهاجمون النخب القائمة باعتبارها فاسدة أو متواطئة، ويزعمون امتلاكهم تفويضاً لتدمير القواعد التي تعيق تنفيذ أجندتهم. ورغم وجود استثناءات، فإن هذا النمط ثابت إلى حد كبير في معظم الدول الغربية، وخاصة أميركا وبريطانيا وفرنسا والمجر وإيطاليا، حيث أصبحت دراما الشعبوية ما بعد الليبرالية دراما شخصية للغاية، تتمحور حول زعماء يصبحون محور الولاء من جهة والكراهية من جهة أخرى، ويقدمون أنفسهم كـ«حماة للمهمّشين»، بينما يتّهمهم خصومهم بالاستبداد.
وعلى النقيض من ذلك، فإن دراما التقدمية ما بعد الليبرالية هي دراما نفوذ أيديولوجي وسلطة مؤسسية، حيث يُحدث النشطاء والنخب تغييراً جذرياً خارج إطار العملية الديمقراطية، ثم يحاولون البقاء أو تجنب ردود فعل الناخبين. إنها دراما تبدو فيها التغييرات المفاجئة، وكأنها تحدث من تلقاء نفسها، دون وجود زعيم يساري كاريزمي يعلن مسؤوليته عنها أو يمنحها وجهاً سياسياً واضحاً. ومع بعض هذه التغييرات، يُجادل التقدميون بأنها تحدث خارج إطار السياسة تماماً، وبالتالي لا يمكن أن تكون قمعية أو مُهدِّدة بالطريقة التي يُمكن أن يكون عليها ديماغوجي يميني كاريزمي.
لكن التأثير السياسي يتخذ أشكالاً مختلفة. فسياسة الهجرة في الدول الغربية يمكن تحديدها من خلال التفسيرات القضائية والبيروقراطية لالتزامات المعاهدات، بقدر ما يمكن تحديدها من خلال الحكومات المنتخبة رسمياً. وربما يجد اليسار ما بعد الليبرالي في النهاية زعيماً سياسياً كاريزمياً يتمتع بجاذبية تتجاوز مدينته. لكن في الوقت الحالي، يميل هذا التيار إلى مزيج معقّد من العمليات العامة والخاصة، حيث يتخذ مسؤولون متوسطو المستوى قرارات جذرية أو قسرية في الخفاء، بينما يطفو القادة الرسميون في التيار اليساري الوسطي على السطح بقدر من الغموض.
سيكون من المفيد للغاية لنقاشاتنا إقناع الليبراليين المخلصين بأن هذا النمط من التقدمية هو بالفعل شكل سياسي ما بعد ليبرالي، وأن ميوله الاستبدادية ليست من اختراع المحافظين الخائفين فحسب، وأنه قادر على اتخاذ خطوات ضد أعدائه، مما سيكون أخباراً صادماً على الصفحات الأولى إذا ما اتخذتها الحكومات الشعبوية. لكن من المفيد أيضاً للمحافظين أن يُدركوا لماذا قد يبدو البديل الشعبوي مُهدداً إلى هذا الحد.
قد استخدم التيار التقدمي القانون كسلاح ضد خصومه، لكن لا يزال الأمر أكثر زعزعة للدستور، عندما يصرخ الرئيس نفسه على وسائل التواصل الاجتماعي بضرورة ملاحقة أعدائه قضائياً.تُفسح الثقافة التقدمية النخبوية المجال لجميع أنواع الإثراء الذاتي والمصالح الشخصية، لكن طريقة استغلال السياسيين الليبراليين لمناصبهم تبقى أقل فجاجة بكثير من الفساد الصارخ وتضارب المصالح العلني في وقتنا الحالي.
*كاتب أميركي.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»


