إذا ما أقدم المرءُ على إجراء دراسة حالة لأية دولة عربية مازالت تعاني من قصور في عملية التنمية، من زاوية وضعها المتعلق بالتحضر أو المجتمع الريفي الزراعي أو الصحراوي الرعوي، فقد يتوصل إلى نتائج ملموسة بوجود اختلاف بين هذه المكونات من حيث أنماط المعيشة والقيم الاجتماعية والسلوكية والمستويات التعليمية والثقافية.
ويُعد هذا دليلاً على غياب مَلَكات الاتصال الفكري والإدراك التعليمي والثقافي والوعي التكنولوجي الحديث، بمعنى أنها غير قائمة في أوساط أفرادها أو متحققة لديهم بكامل زخمها، بما يعني وجود فروقات هيكلية بين مجتمعات الحضر والأرياف والصحاري.
جميع الدول العربية تقريباً فيها أوضاع حضرية متطورة في المدن الكبرى وبعضها الآخر فيه أوضاع غير متقدمة في الأرياف والصحاري، تتراوح ما بين الزهو العائلي في الأرياف، والتعصب القبلي في الصحاري، وما بين هذين الوضعين المتباعدين تتواجد مجموعة أنماط اجتماعية مختلفة في المدن الصغرى والبلدات والقرى، يعززها موقعها الجغرافي، فيما إذا كانت مناطق ساحلية أو صحراوية أو قريبة من المدن الكبرى.
لكن في المجمل يسود جميع الدول العربية نزعات من الزهو القبلي والعشائري والطائفي والمذهبي.
هذه البواعث التشرذمية تولّد عجزاً في المنتوج الفكري والثقافي والتعليمي، الذي يمكن له أن يساعد على تشكل مخرجات تفيد العرب في تكوين مناظيرهم الخاصة بالتنمية الشاملة المستدامة، فهل هذا عائد إلى ضعف مناهج التعليم والتربية، أم إلى ضعف في الإعداد الثقافي والفكري والتكوين التربوي، أم لعوامل أخرى مجهولة؟
النُّظم التعليمية في العالم العربي ليست متشابهة أو متجانسة أو متّسقة أو متكاملة، وهي مختلفة كلياً من دولة عربية إلى أخرى، ويوجد لدى العرب نظم تعليمية بعدد دولهم، وفي هذه النظم يوجد تعليم وطني محلي وتعليم أجنبي وتعليم ديني وتعليم عصري حديث، وقس على ذلك.
هذا التنوع قد يكون سبباً في الفرقة والتشرذم حتى في داخل الوطن الواحد.
إن مثل هذا الأمر قد يكون أمراً عادياً لو أنه لم يرتبط على مستوى كل نوع منه بالمستوى المعيشي الطبقي أو الفئوي أو الاقتصادي لأفراد المجتمع في بعض الدول العربية كل على حدة.
لكن ما نراه هو أن هذا التنوع سلبي، لأنه مدعاة لإجبار الإنسان على توزيع إخلاصه ووفائه وولائه بين الثقافة العامة لمجتمعه الأوسع والثقافة الخاصة بنظام التعليم الأضيق الذي يتم تعليمه في وسطه.
ولكيلا نُسهب كثيراً في هذا الطرح ونحمّله ما لا يستطيع، فإن مجمل القول هو أن التنمية الشاملة المستدامة في العالم العربي يمكن أن تتحقق على يد العرب أنفسهم، ووفقاً لفكرهم وتراثهم الخاص إذا ما تحققت مجموعة من المبادئ ألخصها تباعاً: أولاً، نبذ التطبيق الحرفي للنماذج الفكرية الأجنبية. ثانياً، الاعتماد على الإمكانيات الذاتية المتاحة. ثالثاً، الاهتمام بالإنسان العربي وتنمية طاقاته البشرية. رابعاً، الاهتمام بالمرأة ومنحها حقها الكامل وفقاً لشرع الله. خامساً، الاهتمام بالعلم والعلماء. سادساً، بناء الحس الإنساني لدى الإنسان. سابعاً، الأخذ بأسباب العلوم الحديثة والتكنولوجيا وعلوم الكومبيوتر والذكاء الاصطناعي. ثامناً، تبادل الخبرات بين الدول العربية وبينها وبين العالم الخارجي. تاسعاً، إقامة علاقات إنتاج عادلة ومنصفة. عاشراً، مواجهة المنافسة العالمية الاقتصادية بشكل جماعي وتكوين تكتل عربي اقتصادي يصبّ في هذه النهايات. 
*كاتب إماراتي.