في يوم السبت 18 أكتوبر، كان الطقس مثالياً في جميع أنحاء الولايات المتحدة: مشمس، بلا رياح، ودرجات حرارة معتدلة. توافد ملايين الأميركيين إلى مراكز المدن والحدائق والأرصفة والأماكن المفتوحة، في تظاهرات تهدف إلى الاحتجاج على سلوك الإدارة الحالية. كانت آلاف التجمعات سلمية في معظمها، وسادت أجواء من التفاؤل. وتشير التقديرات إلى أن عدد المشاركين تراوح بين 5 و7 ملايين شخص.
 وقالت القيادة «الجمهورية» ووسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي التابعة لحركة «لنجعل أميركا عظيمة مجدداً» (ماجا) إن الحدث جرى تنظيمه من قبل مجموعات اشتراكية وشيوعية يسارية متطرفة، وإن أموالاً أجنبية دُفعت لتنظيم ما أسموه «حركة كراهية أميركا».
 كان هناك قلق من أنه إذا تحولت الاحتجاجات إلى عنف ومواجهات مع الشرطة، فقد يستخدم ترامب الحرس الوطني أو حتى القوات الأميركية للتدخل. وفي أسوأ الأحوال، كان يمكنه اللجوء إلى قانون التمرد لعام 1807 وفرض الأحكام العرفية في البلاد. لكن هذه السيناريوهات القاتمة لم تكن ضرورية، إذ تم إطلاع المتظاهرين جيداً على كيفية تجنّب المواجهات، وعدم انتهاك القوانين المتعلقة بسلوك المجموعات التي من شأنها أن توفر ذرائع لقمع صارم من قبل جهات إنفاذ القانون. وبينما كان رد الفعل الأولي لأشد مؤيدي ترامب صراحةً هو رفض المسيرات، إلا أن عدداً من «الجمهوريين» البارزين، بمن فيهم السيناتور تيد كروز (من تكساس)، شعروا بخلاف ذلك. فقد صرّح كروز قائلاً: «هناك الكثير من الطاقة. هناك الكثير من الغضب لدى اليسار. ويمكن أن تكون الانتخابات خطيرة عندما يكون أحد الجانبين غاضباً».
ويُدرك الجمهوريون الأذكياء حجمَ المعارضة لأجندة الرئيس ترامب الداخلية. وإذا استمر هذا التوجه حتى عام 2026، فقد يخسرون عدداً كافياً من المقاعد في مجلس الشيوخ، وخاصةً في مجلس النواب، مما قد يُعيد «الديمقراطيين» إلى السلطة في الكونجرس بمجلسيه. وإذا فاز الديمقراطيون بمجلس النواب، فسيكونون قادرين على إيقاف العديد من برامج ترامب. إذ سيتمكنون من التحكم في جدول الأعمال وإدارة نظام اللجان، وستكون لهم سلطة استدعاء أعضاء من الإدارة، بل وحتى إمكانية عزل ترامب إذا لزم الأمر. وعندها قد تتحول الإدارة إلى «بطة عرجاء» وستضطر إلى تقديم تنازلات وتقليص برامجها الجذرية خلال ما تبقى من الولاية الرئاسية الحالية لدونالد.
لكن، ما مدى احتمالية حدوث ذلك؟ سيكون العامل الحاسم هو حالة الاقتصاد بعد عام من الآن. فاليوم، تشهد الأسواق المالية ازدهاراً ملحوظاً. لم تُسبب رسوم ترامب الجمركية، حتى الآن، المعاناة التي تنبأ بها البعضُ في وقت سابق من العام. ومع ذلك، تعاني بعضُ القطاعات، وخاصةً القطاع الزراعي، كما انخفضت مبيعات منتجات معينة بسبب مقاطعة الكنديين، الذين كانوا من أكبر مستهلكي المنتجات الأميركية ذاتها. أما الصناعات الأخرى فقد تمكّنت من إبقاء الأسعار ضمن الحدود المقبولة عبر تحمل تكاليف الرسوم الجمركية بنفسها. لكن، إلى متى سيستمر ذلك؟ يتوقع المتشائمون أن الرسوم الجمركية ستؤدي في النهاية إلى ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية وزيادة التضخم.أكثر ما يُثير القلقَ هو الخوفُ مِن أن سوق الأسهم الأميركية قد بلغ ذروةَ ارتفاعه بسبب طفرة الذكاء الاصطناعي، وأنه على وشك الدخول في مرحلة تصحيح. لا يمكن لاستثمار مليارات الدولارات في التكنولوجيا المتقدمة أن يكون مستداماً، وهو متجه نحو مرحلة تصحيح مماثلة لازدهار شركات الإنترنت وكسادها في مطلع القرن.
إن حدوث ركود اقتصادي سيكون كابوساً للحزب الحاكم، وخاصة لترامب، الذي كانت أقوى أوراقه في انتخابات عام 2024 هي قدرته على إدارة الاقتصاد بنجاح. فالحياة اليومية لمعظم الأميركيين تتركز على القضايا الأساسية، وإذا وجدوا أن أسعار الغذاء والرعاية الصحية والسكن ترهق ميزانياتهم وتجبرهم على الاستغناء عن احتياجات ضرورية، فإنهم سيصوتون ضد البيت الأبيض.

*مدير البرامج الاستراتيجية بمركز «ناشونال انترست» - واشنطن