في الرابع عشر من مايو 2022، لا تستحضر الإمارات تاريخاً سياسياً عابراً، بل تستحضر لحظة مفصلية في مسيرة وطن دخل مرحلة جديدة من الثقة والتمكين، حين انتخب أصحاب السمو أعضاء المجلس الأعلى للاتحاد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيساً لدولة الإمارات العربية المتحدة. لم يكن ذلك اليوم مجرد انتقال دستوري للحكم، بل كان لحظة رسوخ واطمئنان لدولة تعرف قائدها جيداً، وتدرك أنها تمضي مع رجلٍ لم يكن يوماً بعيداً عن تفاصيل مشروعها الوطني.
جاء صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد إلى قيادة الدولة حاملاً إرث المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، ومؤمناً بأن بناء الإنسان هو أعظم استثمار يمكن أن تصنعه الأمم. وكما وضع المغفور له الشيخ زايد أساس الاتحاد على الوحدة والعطاء، يواصل صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد بناء دولة المستقبل بثقة لا تعرف التردد، واضعاً الإنسان الإماراتي في قلب مشروع التنمية، ومؤسساً لمرحلة جديدة عنوانها الاستقرار والطموح والاستعداد لما هو آتٍ.
لم يتسلّم صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد دولةً تبحث عن مكانها، بل تسلّم مشروع أمة يعرف إلى أين يمضي. ولذلك لم تكن سنوات قيادته امتداداً إدارياً تقليدياً، بل مرحلة رسخت فيها الإمارات حضورها في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة والصناعات المستقبلية. ومن أبرز شواهد ذلك: وصول المسبار الإماراتي «الأمل» إلى مدار المريخ عام 2021، في إعلان صريح بأن الإمارات لا تستورد المستقبل بل تصنعه. واستضافة مؤتمر المناخ COP28 عام 2023، الذي جعل من أبوظبي عاصمةً للحوار المناخي العالمي. ثم إطلاق استراتيجية الذكاء الاصطناعي الوطنية التي تجعل من الإمارات سبّاقةً في استثمار هذه التقنية لخدمة الإنسان لا لاستبداله. في زمن تتغير فيه موازين القوى بسرعة، قدّمت الإمارات نموذجاً لدولة تعرف كيف تبني مستقبلها، وتحافظ على استقرارها في آنٍ واحد.
لكن ما يُميّز تجربة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد ليس فقط حجم الإنجازات، بل فلسفة القيادة نفسها. فالرجل يؤمن بأن قوة الدولة تبدأ من تماسك مجتمعها، وأن الأمن الحقيقي لا يقتصر على حماية الحدود، بل يشمل حماية جودة الحياة وتعزيز كرامة الإنسان وبناء مجتمع يشعر بالثقة تجاه مستقبله. ولهذا يشعر الإماراتي اليوم بأن دولته لا توفر له الاستقرار فحسب، بل تمنحه الطمأنينة والإيمان بأن القادم أفضل.
وعلى المستوى الخارجي، رسّخ سموه نهجاً سياسياً قائماً على الحكمة والتوازن وبناء الشراكات الاستراتيجية، حتى أصبحت الإمارات صوتاً للعقل والاستقرار في منطقة مليئة بالتحولات والتحديات. وتجلّى ذلك في الاتفاقيات الإبراهيمية، التي شكّلت نقطة تحول في معادلات المنطقة، وفي الحضور الإماراتي الفاعل في المنظمات والمحافل الدولية، مؤكداً أن الإمارات لا تكتفي بمتابعة الأحداث العالمية بل تُسهم في تشكيلها.
أما في الجانب العسكري والأمني - وهو الجانب الذي أعرفه عن قرب - فقد انعكست قناعة سموه الراسخة في بناء قوات مسلحة حديثة تقوم على الاحترافية والجاهزية والتخطيط الاستراتيجي بعيد المدى. ولا تقتصر هذه القناعة على التسليح والتدريب، بل تمتد إلى بناء قائد عسكري يفكر استراتيجياً ويتصرف مهنياً ويحمل هوية وطنية راسخة. لأن حماية التنمية لا تقل أهمية عن تحقيقها، وقوة الدولة هي الضمان الحقيقي لاستقرار مشروعها الحضاري.
في ذكرى توليه مقاليد الحكم، لا تحتفل الإمارات بشخص فحسب، بل تحتفل بمنهج قيادة جعل من الثبات قوة، ومن الحكمة نفوذاً، ومن الإنسان جوهر المشروع الوطني. غير أن الأعمق من كل هذا أن صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد علّم الإمارات شيئاً نادراً في عالم اليوم: أن تكون واثقةً من نفسها دون غرور، وطموحةً دون تهور، وقويةً دون استعراض. وهذا هو الإرث الحقيقي الذي لا تحمله الأرقام والإحصاءات وحدها - بل تحمله الأجيال.
*لواء ركن طيار متقاعد.