يتحين اليمين المتطرف في إسرائيل الفرصة لضم الضفة الغربية، وإخضاعها للسيادة الإسرائيلية بمسارين قانوني وجغرافي-ديمغرافي، ولاسيما بعد الحرب على غزة، وتحرير الرهائن من قبضة الفصائل الفلسطينية. فبعد أيام فقط من بدء تنفيذ خطة ترامب للسلام في غزة، سارع الكنيست ليصدّق بالمناقشة التمهيدية على مشروعَي قانونَين يهدفان إلى توسيع السيادة الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة.ويبدو أن «اليمين المتطرف» يعتقد أن الفرصة مواتية الآن لفرض السيادة الإسرائيلية على الضفة، في وقت لا يندفع فيه حزب «الليكود»، الذي يقود الائتلاف الحكومي، بزعامة بنيامين نتنياهو، وراء قانون يعزز احتلال الضفة، خشية إشعال أزمة مع الإدارة الأميركية وقوى إقليمية ودولية، وباعتبار أن السيادة الحقيقية على الضفة لن تتحقق بقانون، وإنما بفرض السيادة الفعلية على الضفة، وتعطيل أي محاولة لقيام الدولة الفلسطينية.
ويرسخ مشروع القانون الأول توسيع السيادة الإسرائيلية لتشمل مستوطنة «معاليه أدوميم»، التي يزيد عدد سكانها على 40 ألف نسمة، وتقع شرق القدس. فيما يبسط مشروع القانون الثاني السيادة الإسرائيلية على كامل الضفة الغربية، لذا لم يُبد نتنياهو معارضة لمبدأ الضم، لكنه يحمّل المعارضة المسؤولية وراء الاستفزاز السياسي في الوقت الحالي. ولكي يطمئن الولايات المتحدة، فقد أشار إلى استبعاد إقرار مثل هذه القوانين من دون دعم حزب «الليكود».
وترفض دول المنطقة أي ضم للأراضي الفلسطينية، وعلى رأسها دولة الإمارات، التي حذّرت من أن ضمّ الضفة الغربية يُعدّ خطّاً أحمر، ولاسيما مع الجهود الدولية لدعم الاستقرار الإنساني في غزة بعد دمارها على مدار السنتين الماضيتين، في ظل الواقع الإقليمي المعقد. فالموقف ثابت من القضية الفلسطينية وراسخ، وعلينا التركيز حالياً على العمل الإنساني في غزة حتى يمكن لدولة الإمارات ومثلها من قوى المنطقة المساعدة في تحقيق توازن بين الأمن الإقليمي وحق الفلسطينيين في دولة مستقلة قابلة للحياة.
وفي سياق رؤية الحق الفلسطيني، أدانت دول ومنظمات عربية وإسلامية تصديق الكنيست على فرض «السيادة الإسرائيلية» على الضفة الغربية، فالحل يكمن في تلبية حقوق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة ذات السيادة على خطوط الرابع من يونيو 1967، خاصة أن تصديق الكنيست يتعارض مع القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن، التابع للأمم المتحدة، لاسيما القرار رقم 2334، الذي يُدين جميع الإجراءات الإسرائيلية الرامية إلى تغيير التركيبة الديمغرافية والوضع القانوني للأرض الفلسطينية المحتلة.
ولايزال دور الولايات المتحدة حاسماً في ضمان ثَنْي إسرائيل عن خطوة الضم، والاتجاه نحو السلام الحقيقي، وقيام دولة فلسطينية تمتلك مقومات الحياة الأساسية. والحقيقة أن إدارة الرئيس دونالد ترامب لا تشجع على مسار ضم الضفة الغربية، ولاسيما أن تل أبيب تُنتقد في الأوساط الغربية، نتيجة لحربها على غزة لمدة سنتين، ما أدى إلى اعتراف الدول الغربية بدولة فلسطين. ولهذا، هدد الرئيس الأميركي بأنه إذا حصل الضم، فستفقد إسرائيل كل دعمها من الولايات المتحدة الأميركية.
ويمكن اعتبار المستوطنات في الضفة الغربية عقبة أمام السلام، ولاسيما مع تقسيمها للجغرافيا الفلسطينية، وعزل القرى والمدن، وتقويض وحدة الأراضي الفلسطينية وسيادتها، وكذلك مع تصاعد وتيرة المستوطنات منذ بداية الحرب على قطاع غزة، إذ أقيمت 61 بؤرة استيطانية في الضفة الغربية منذ بداية 2025، فيما وصل العدد إلى 60 في 2024، وهو رقم قياسي في أعداد المستوطنات في سنة واحدة. وحتى أكتوبر 2024، يعيش قرابة 504 آلاف إسرائيلي في 147 مستوطنة، و224 بؤرة استيطانية، وأكثر من 233 ألف مستوطن في القدس الشرقية، وفق الأمم المتحدة.
إن بإمكان القيادة الأميركية، مع القوى الإقليمية في المنطقة، أداء دور أكثر فاعلية في تركيز الجهود على إعادة الإعمار، وتخفيف المعاناة الإنسانية في غزة، ووقف أي تحرك باتجاه ضم الضفة الغربية يقوّض فرص السلام وحل الدولتين، إذ إن اليمين الإسرائيلي يطرح الضم بين الحين والآخر، ويتخذ خطوات على الأرض. وإنْ لم تتوقف هذه التحركات، فإن مصير ضم الضفة الغربية سيصبح مسألة وقت.
*مديرة إدارة النشر العلمي- مركز تريندز للبحوث والاستشارات.


