في 30 سبتمبر الماضي كتبتُ على هذه الصفحة مقالة بعنوان «ترامب ورفض ضم الضفة الغربية»، وذلك بعد تصريحه بعدم الموافقة على هذا الضم، بغض النظر عن موقف نتنياهو. ومع هذا فقد استمرت الشكوك في مدى جدية ذلك التصريح، سواء في ضوء سابِقةِ موافقة ترامب على ضم الجولان، أو سوابق تراجعه عن بعض تصريحاته، غير أنه في 23 أكتوبر الجاري نشرت مجلة «تايم» حديثاً أجرته معه في 15 من الشهر ذاته، أكد فيه أنه لن يسمح بأي تحرك نحو الضم. وأنقل هنا نص تصريحه لأهميته: «لن يحدث ذلك. لن يحدث لأني أعطيت كلمتي للدول العربية، ولا يمكن القيام بذلك الآن. لقد حظينا بدعم عربي كبير، ولن يحدث لأنني قطعت وعداً لتلك الدول، وإذا أقدمت إسرائيل على ذلك فستفقد كل دعمها من الولايات المتحدة».
  وثمة ملاحظتان بالغتا الأهمية حول هذا التصريح؛ أولاهما، أن ترامب نسب موقفَه لدعم دول عربية ووعدِه لها بأن الضم لن يحدث. والملاحظة الثانية أنه زاد عن تصريحه الأول الرافض للضم، الشهر الماضي، بالتلويح بعقوبة جسيمة لإسرائيل إن فعلت، وهي الحرمان الكامل من الدعم الأميركي. ويمكنني القول بقدر كبير من الثقة أن هذه سابقة أولى من نوعها في العلاقات الأميركية الإسرائيلية.
 ومع أن هذا التصريح قد نُشِر بعد تصويت الهيئة العامة للكنيست الإسرائيلي لصالح مشروع قانون بتوسيع السيادة الإسرائيلية على أراضٍ في الضفة، بما قد يُفْهَم منه أنه رد فعل على هذه الموافقة، إلا أن إمعان النظر في تاريخ إجراء الحديث (15 أكتوبر) يشير إلى عدم وجود علاقة له بهذا التصويت، وهو ما يُعطي قوة أكثر للتصريح.
  ومع ذلك فلا شك في أن سلوك الكنيست قد أثار استياءَ أركان الإدارة الأميركية، فحذر وزير الخارجية من أن هذا التصويت قد يُعَرض اتفاقَ وقف إطلاق النار في غزة للخطر، ويقوّض الجهود الأميركية لتنفيذ خطة ترامب. وأضاف أن المضي في هذا المسار لا يخدم الأهداف المشتركة بين واشنطن وتل أبيب. كما عبّر نائب الرئيس عن استيائه الشديد من التصويت قائلًا إنه شعر بالخداع بعد أن قيل له إن الخطوة رمزية، ولا يُقْصد بها إلا كسب نقاط سياسية داخلية. وأضاف أنه لو كان ذلك صحيحاً «فهو تصرف غبي حقاً وأنا مستاء منه». ويُلاحظ أن هذه التصريحات سببت إرباكاً شديداً داخل إسرائيل حاول نتنياهو تفاديه مسبقاً بتوجيهه أعضاء حزبه بعدم التصويت لصالح مشروع القرار، واتهامه المعارضةَ بأنها تحاول إحراج حكومته. ومنَّى سموتريتش، وزير المالية المتطرف، نفسَه بأن ترامب سيتراجع عن موقفه هذا كما سبق له أن فعل في مواقف سابقة، وتجاهلت صفحة «إسرائيل تتكلم بالعربية» الموجهة للجمهور العربي الموضوع تماماً. لا شك في أن لهذه التطورات في موقف الرئيس الأميركي وإدارته دلالاتها بالغة الأهمية من منظورين على الأقل أولهما، أنها تشير لإمكان حدوث اختلاف أميركي إسرائيلي عندما لا تتطابق المصالح، حتى في مسألة بالغة الأهمية لإسرائيل كمسألة ضم الضفة، والتي يمكن القول بأنها تتعلق بالسلامة الإقليمية من وجهة النظر الإسرائيلية، والثاني، أن تصريحات ترامب لا تدع مجالا للشك في التأثير العربي عليه في هذا الموقف، وهي شهادة رد اعتبار لدبلوماسية الاعتدال العربي. وكلا المنظورين يحتاج عودة فاحصة إذا سمحت الظروف بذلك.

*أستاذ العلوم السياسية - جامعة القاهرة