بعد أكثر من نصف قرن على هبوط الإنسان على سطح القمر، ينطلق اليوم سباقٌ فضائيٌّ جديد، تغذِّيه الطموحاتُ إلى الريادة التقنية، والسعيُ لاكتشاف الموارد الفضائية، وتحديدُ ملامح مستقبل البشرية في الفضاء. وتتسابقُ في هذا المضمار دولٌ متقدمة، وشركاتٌ خاصة، لا بهدف الزيارة، بل من أجل الاستقرار على سطح القمر.فالولايات المتحدة الأميركية، عبر برنامج أرتميس، تسعى إلى إنزال روّاد فضاء، خلال هذا العقد، بالقرب من القطب الجنوبي للقمر، لما يتميز به من مواردَ ذات أهمية، أبرزها الماءُ الثلجي. أما الصين - بالتعاون الاستراتيجي مع روسيا - فتُخطِّط لإنشاء قاعدةٍ قمريةٍ بحلول ثلاثينيات هذا القرن، لتكون منصةً لأنشطةٍ فضائيةٍ مستقبلية. وفي الاتجاه نفسه تعمل الهند، بعد نجاح مهمتها القمرية (تشاندرايان-3)، على مشروعات جديدة تُعزِّز موقعها في سباق الاستكشاف، بينما تمضي اليابان وأوروبا بخططٍ طموحة، ولكن بوتيرةٍ أبطأ. وعلى خلاف عصر أبولو الأميركي يشارك اليوم عددٌ أكبر من الدول والشركات في هذا السباق المحموم نحو القمر.
ولم يعد القمر مجرد رمزٍ للإنجاز العلمي والتقني، بل أصبح مصدراً محتملاً لمواردَ ثمينةٍ، وبوابةً لاستكشاف الفضاء العميق، إذ يعتقد العلماء بوجود معادن وعناصر نادرةٍ يمكن استخدامها في الصناعات الفضائية، إلى جانب جليدٍ مائيٍّ عند الأقطاب، خصوصاً القطب الجنوبي، ما يجعله مورداً محتملًا للمياه والأكسجين ووقود الصواريخ مستقبلاً، وكل ذلك يجعل من القمر محطةً استراتيجيةً لرحلات الاستكشاف الفضائي، تمهيداً لتحويله إلى موطنٍ آخر للبشرية.
وتتصدّر دولة الإمارات العربية المتحدة جهودَ استكشاف القمر في الشرق الأوسط، إذ تُعدُّ مهمةُ «المستكشف راشد» مشروعاً علميّاً طموحاً لدراسة سطح القمر. كما تشارك دولة الإمارات في مشروع بناء محطة «Lunar Gateway» المدارية حول القمر، من خلال تطوير وحدة الدخول والخروج «Airlock»، التي تُتيح للرواد مغادرة المحطة والعودة إليها بأمان، ما يجعلها شريكاً محوريّاً في الجهود الدولية للعودة إلى القمر.
ولا تتوقف الطموحات الإماراتية عند القمر فحسب، فبعد نجاح مهمة مسبار الأمل إلى المريخ، تمتد الخطط إلى آفاقٍ أبعد، عبر مهمة استكشاف حزام الكويكبات الواقع بين المريخ والمشتري، لتضع دولةَ الإمارات ضمن نخبة الدول المنخرطة في استكشاف الفضاء العميق. وهذه المبادرات - إلى جانب برامج تصنيع الأقمار الاصطناعية محلياً، وبرنامج رواد الفضاء - تُجسِّد رؤيةً استراتيجيةً طموحة تهدف إلى جعل دولة الإمارات مركزاً إقليمياً وعالمياً في مجال الأنشطة والاستكشافات الفضائية.
وفي ملامح السباق الفضائي الدولي الجديد، يتجلّى التنافس بين الولايات المتحدة والصين في استكشاف القمر، واستثماره، فالأولى تقود اتفاقيات أرتميس للتعاون السِّلمي في استكشاف القمر، التي انضمت إليها أكثر من ستٍّ وخمسين دولة، بينما تعمل الصين وروسيا على إنشاء محطة بحوثٍ قمريةٍ منافسة، ويعكس هذا المشهد سباقاً جيوسياسياً يذكِّر بأجواء الحرب الباردة.وبعيداً عن التنافس، فإن هذا الاهتمام العالمي المتجدد بالقمر يحمل وعوداً بفوائد مشتركة، من خلال التقدم العلمي، والتعاون الدولي، ومشاركة القطاع الخاص. وكما أسهم برنامج أبولو، في القرن الماضي، في دفع التطور التقني والعلمي، فإن المهام القمرية الحالية والمستقبلية ستفتح آفاقاً جديدةً في مجالات الطاقة والروبوتات والطب والاستكشاف الفضائي، ليبقى القمر منصةً للتطور، ومحطةً لانطلاق البشرية نحو مستقبلٍ مشتركٍ واعد في الفضاء الواسع.
الدكتور المهندس/ محمد ناصر الأحبابي
مستشار أول في مجموعة (إيدج)


