يرتبط موضوع القدوات المجتمعية بالفلسفتين الأخلاقية والاجتماعية معاً، فمن الناحية الأخلاقية، يُمثّل مفهوم القدوة المجتمعية النموذج المعياري والمثالي الذي يُفترض أن يقتدي به الأفراد في وجدانهم وسلوكهم. وبمعنًى آخر يعكس هذا المفهوم أبرز معاني «الصواب» التي تتمثّل في القيم الفلسفية والأخلاقية والاجتماعية المانحة للسلوكيات الفردية في المجال العام معنًى بنّاءً ومفيداً للمجتمع والدولة. أمّا من منظور الفلسفة الاجتماعية، فإن وجود القدوات المجتمعية يمثل ضرورةً ملحّةً للإجابة عن سؤال جوهري يتمحور حول دور القيم والمعايير في تنظيم الحياة الاجتماعية وإدارة الشؤون العامة، فالقيم والمعايير الأخلاقية هي اللبنات الأولى والأسس العليا لبناء مجتمع سليم متماسك.
ومنذ القدم تصوّر فلاسفة اليونان، وفي مقدمتهم أفلاطون، مفهوم الإنسان الفاضل بصفته التجسيد الحي للفضائل، ولا سيما الحق والخير. وقد أشار أرسطو، معلّم الإنسانية الأول، إلى أن الطريق نحو الفضائل الأخلاقية لا يتحقق إلا بالعقل والوعي، وهو ما يُضفي على دور القدوة أهميةً خاصة في قدرتها على نقل الأفكار والقيم إلى أفراد المجتمع، وتشكيل سلوكهم الجمعي في الفضاء العام. ويُضيف أرسطو في هذا السياق أن المعنى الكامل للفضائل لا يكتمل إلا بوجود تطبيق عمليٍّ يتجسّد في سلوك الأفراد وممارساتهم اليومية، وبذلك تتجلّى وظيفة القدوة المجتمعية في إحياء المعاني النبيلة للفضائل والأخلاق على أرض الواقع.
وبناءً عليه، يمكن القول إنّ فكرة القدوة المجتمعية في جوهرها انعكاس لمرآة الذات المتخيّلة، أي أنها ليست تمثيلاً لما نحن عليه الآن، بل لما نطمح إلى أن نكون عليه في المستقبل. إنها سعيٌ دائم لتحديد بوصلة المجتمعات الأخلاقية وضمان بقائها واستدامتها. ولهذا يظلّ الهمّ الفلسفي والفكري حاضراً بقوة في مسألة وجود القدوات، ويتجلّى في أسئلة فكرية ووجودية كبرى عن جوهر المجتمعات البشرية ومعناها. وتجيب القدوات المجتمعية بطبيعتها عن تساؤلات مصيرية يواجهها الأفراد، من أبرزها: كيف ينبغي للإنسان أن يعيش حياته؟ وما الأثر الذي يريد أن يتركه في مجتمعه؟ إذ تمثّل القدوات الإجابة الحية عن تلك الأسئلة الفلسفية الساعية إلى فهمٍ أعمق لفكرة «المثال» في المجتمع.
كما تشير هذه التساؤلات إلى أن وجود القدوات المجتمعية يربط بصورة جوهرية بين مجالَي القيم والقوة، فالقيمة لا تتجسّد إلا حين تتحول إلى قوة فاعلة في الواقع، والقدوة هي الوسيط الذي يحقق هذا الربط. ومن هنا تتجلى أهمية القدوات في تشكيل السُّلطة الكاريزمية كما يشرحها ماكس فيبر، إذ تمثل مصدر الإلهام للمجتمع خارج أُطر سُلطة القانون. ومع ذلك، فإن أثر القدوة يتجاوز هذا البعد الرمزي ليصل إلى عمق الدولة نفسها، حيث تُسهم في بناء قوتها المعنوية والرمزية، فالقدوة المجتمعية تمثل الضامن الأهم لمناعة المجتمع الداخلية في مواجهة أي مؤثرات أو أفكار سلبية دخيلة قد تمسّ جوهر القيم الوطنية وتوجّهاته المستقبلية.
ولا يخفى أن الأفكار الهدّامة سريعة الانتشار، وتستهدف ضرب مناعة المجتمع الفكرية وتشويش وعيه القيمي، في حين أن القدوة المجتمعية تملك شخصية استثنائية قادرة على جذب الشباب، وتحفيزهم على التمسك بالتراث والهوية والثقافة الوطنية الأصيلة. وهي أيضاً عنصر رئيسي في استدامة الوعي الوطني عبر ترجمة هذه القيم إلى ممارسات يومية يتبناها المواطن في حياته العامة. ولذلك فإن وجود القدوة في المجتمع ليس ترفاً، بل مطلبٌ ضروريٌّ وحيويٌّ، فغيابها يجعل الهوية الوطنية مجرد خطابٍ نظريٍّ لا يجد طريقه إلى التطبيق ولا يجد من يجسّده في السلوك والواقع.
ويظهر الأثر الواقعي للقدوات المجتمعية بإسهامها الفعال في بناء القوة الوطنية، فالقوة الوطنية، بمعناها الشامل، لا تقتصر على استخدام أدوات القوة الصلبة، بل تشمل أبعاداً رمزية ومعنوية وثقافية أيضاً تُسهم في ترسيخ مكانة الدولة وتعزيز تماسكها. وفي هذا الإطار تؤدي القدوة المجتمعية دوراً حيوياً في دعم القوة الناعمة للدولة، إذ يجسّد حضورها الأخلاقي والمجتمعي أرقى معاني السلوك القويم، الذي ينعكس مباشرة في صورة الدولة ومواطنيها وسمعتها على الصعد كافة. وبذلك تترسّخ القناعات الوطنية الملهمة للشباب بصفتها بوصلة أخلاقية ومجتمعية تُوجههم نحو الأداء الإيجابي والمواطنة الفاعلة، الأمر الذي يُسهم في بناء رأسمال بشري مؤهل ومخلص لقيمه وهويته، قادر على الإسهام في بناء الدولة الوطنية والحضارية.
ومن هنا، فإن القدوات المجتمعية لا تمثل ركيزة أخلاقية واجتماعية لتنمية المجتمع وأفراده فقط، بل تشكّل أحد الأعمدة الاستراتيجية في معادلة بناء القوة الوطنية، فهي في جوهرها قوة هادئة تؤثر بعمق في الوعي والسلوك، من دون صخب أو ادّعاء، ومن دون السعي إلى الشهرة أو ركوب الموجات الاجتماعية. إنها النخبة الحكيمة التي يراها المجتمع في أفعاله قبل أقواله، ويكفي أن نستحضر قول الحكيم سقراط: «ليس المهم أن تعظ الناس، بل أن تكون أنت الموعظة التي يرونها».
الدكتور/ علي حصين الأحبابي
مدير مركز جامعة الإمارات للسياسة العامة والقيادة. أستاذ مساعد، قسم الحكومة والمجتمع، جامعة الإمارات العربية المتحدة.


