في مطلع يونيو 2025، أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب اتفاقاً بين الولايات المتحدة الأميركية وجمهورية الصين، يخفف من صراع الجمارك بين العملاقين الاقتصاديين، وينص على تقليص الرسوم الجمركية بينهما بشكل كبير. ويتعلق أحد بنود هذا الاتفاق بمجموعة من المعادن يُطلَق عليها «المعادن النادرة»، إذ وافقت الصين على تخفيف القيود التي وضعتها على تصدير هذه المعادن إلى الولايات المتحدة الأميركية مع بداية التصعيد الجمركي بين البلدين. واللافت للنظر أن الولايات المتحدة، كما ورد عن خبراء سياسيين واقتصاديين عدة، خفّفت من حدة موقفها في هذه المفاوضات لحاجة اقتصادها وصناعاتها المختلفة إلى هذه المعادن، فما هذه المعادن؟ وكيف أصبحت ورقة ضغط سياسي لا يُستهَان بها في يد الصين؟
يشير مصطلح المعادن النادرة إلى 17 معدناً من أصل 118 معدنًا اكتشفها البشر، ووضعوها فيما يُسمى الجدول الدوري. ومن أمثلة هذه المعادن معدنا السماريوم والنيوديميوم. كما يجدر ذكر نقطتين بشأن هذه المعادن، أولاهما أنها ليست نادرة، أو شحيحة، كما قد يوحي اسمها، وإنما جاءت تسميتها بهذا الاسم بسبب صعوبة استخراجها، وعدم الجدوى الاقتصادية من التنقيب عنها في كثير من الحالات. أمَّا الثانية، فهي أن معادن مثل الليثيوم والجرافين، برغم أهميتهما وانتشارهما في الوقت الحاضر، لا تندرج ضمن هذه المجموعة.

وتُعد هذه المعادن حجر الزاوية في تكنولوجيا القرن الحادي والعشرين، إذ نجدها في تكنولوجيا الطاقة المتجددة، والنقل النظيف، والشرائح الإلكترونية المستخدمة في مجالات متعددة، من بينها مراكز تحليل بيانات الذكاء الاصطناعي. وإذا ما أخذنا قطاع النقل، على سبيل المثال، لوجدنا أن هناك ما يقارب 40 مليون سيارة كهربائية تسير في شوارع العالم اليوم، تعتمد أكثر من 70% من محركاتها على معدن النيوديميوم، الذي لا تعمل من دونه.
 
وقد يُفهم من هذا المثال وحده سبب الزيادة الكبيرة المتوقعة في الطلب على هذه المعادن، فبحسب تقديرات وكالة الطاقة الدولية سيحتاج قطاع الطاقة المتجددة وحده إلى زيادة في إنتاج هذه المعادن تُقدر بسبعة أضعاف المستوى الحالي بحلول عام 2040.

ولكن ثمة إشكالية كبيرة تشكِّل محور نقاش في الدوائر السياسية والشركات العالمية، تتعلق بسلاسل توريد هذه المعادن، فالصين، وحدها، تحتكر بشكل شبه كامل تكنولوجيا معالجة هذه المعادن، وتحويلها إلى الصيغة المناسبة للاستخدام. ووفقًا لبعض التقارير يُعالَج نحو 90% من المعادن النادرة المُستخرَجة من دول مختلفة في العالم بالصين، قبل تصديرها للاستخدام. ويشكل ذلك تحدياً كبيراً استُشعر أكثر من مرة، آخرها خلال الحرب التجارية الأخيرة بين الولايات المتحدة والصين. 
ويمكن إدراك حجم ورقة الضغط، التي تملكها الصين في قطاع الدفاع، إذا ما عرفنا أن أنواعاً عدة من الأسلحة والمَركبات، مثل الصواريخ المسيَّرة، والغواصات، والطائرات المقاتلة، تعتمد على كميات كبيرة من هذه المعادن، ووفقاً لوزارة الدفاع الأميركية تحتاج مقاتلة واحدة من طراز «F-35» إلى ما يزيد على 410 كيلوجرامات من المعادن النادرة.
ويمكن تصنيف أغلب الجهود المبذولة لمواجهة هذا التحدي في ثلاثة مسارات رئيسية: إنشاء سلاسل توريد لا تعتمد على الصين، وزيادة الاستثمار في تكنولوجيا إعادة التدوير، وأخيراً إيجاد بدائل تكنولوجية لا تحتاج إلى هذه المعادن، أو على الأقل تستهلك نسبة أقل منها، فعلى سبيل المثال، وفي إطار المسار الأول المتعلق بإنشاء سلاسل توريد بديلة للصين، يشهد قطاع التنقيب عن المعادن النادرة ومعالجتها اهتماماً متزايداً، مع ضخ استثمارات كبيرة لدعمه.
وفي عام 1973 استُخدم النفط ورقة ضغط سياسي مؤثرة غيّرت موازين الاقتصاد العالمي، وأثبتت تلك الواقعة أهمية النفط والثقل الجيواستراتيجي للدول المالكة له، وقد ترتب على ذلك سياسات كبرى، واستثمارات واسعة في تطوير تقنيات لا تعتمد على النفط. واليوم، مع اقترابنا من نهاية الربع الأول من القرن الحادي والعشرين، قد يتكرر المشهد نفسه، ولكن مع بطل جديد هو المعادن النادرة، التي قد تمنح الدول المالكة لها قوة استراتيجية هائلة لا يمكن تجاهلها.
ويوضح المشهد العالمي اليوم أن السيطرة على الموارد الاستراتيجية لم تعُد مقتصرة على النفط أو الغاز، بل امتدت لتشمل المعادن النادرة التي تشكل عصب التقنيات الحديثة والاقتصاد الأخضر. ومع تصاعد المنافسة بين القوى الكبرى لضمان الوصول إلى هذه المعادن، وتأمين سلاسل توريدها، ستبقى هذه الموارد في قلب التفاعلات الجيوسياسية خلال العقود المقبلة، مانحةً الدول المالكة لها نفوذاً استراتيجياً قد يوازي –أو يتجاوز– ما كان النفط يمنحه في القرن الماضي.
*أستاذ مساعد في قسم الهندسة الكهربائية في جامعة خليفة للعلوم والتكنولوجيا.