تُعدُّ اللغة العربية ركناً أساسياً من أركان هويتنا وذاكرة حضارتنا الممتدة. ولكنّ تساؤلاً حاسماً يبرز في خضم ثورة المعلومات والعولمة: هل تُلبي مناهج اللغة العربية اليوم متطلبات العصر؟ وهل تحولت من أداة دعم واندماج إلى عائق أكاديمي يهدد العلاقة بين الطالب ولسانه؟ إن الإجابة تتأرجح بين القيمة الجوهرية للغة، وآلية تقديمها التقليدية.
ويواجه المنهج الحالي انتقادات متزايدة بأنه يُشكِّل حاجزاً أمام تلبية متطلبات العصر، نتيجة التركيز المفرط على القواعد والإعراب بصفتهما غايةً في حد ذاتيهما، بعيداً عن التطبيق الوظيفي والإبداعي، فالطالب يُتقن تحليل الجمل، ولكنه يعجز عن صياغة فكرة متماسكة، أو التعبير بطلاقة عن رأيه المعاصر، لتتحول اللغة إلى لغز أكاديمي، بدلاً من أن تكون أداة تواصل حيوية.
كما تُهمل المناهج مهارات العصر الأساسية، مثل الكتابة الإبداعية الموجهة، والتحليل النقدي لخطاب الإعلام الجديد، ومهارات العرض والإقناع الشفوي، وهي رأسمال الطالب في سوق العمل. وإضافةً إلى ذلك، تُقدَّم النصوص الكلاسيكية غالباً بنظرة انعزالية، ما يخلق فجوة وجدانية بين الطالب ولغة الحياة اليومية التي باتت تختلط بالمصطلحات التقنية، واللغات المتعددة.
وبرغم قصور المناهج، فإن اللغة العربية تبقى دافعاً قوياً للتطور إذا ما أُعيد تدريسها بوعي ومنظور مستقبلي، فهي، بثراء مفرداتها ودقة تراكيبها، لغة التفكير النقدي والتحليل العميق، وعندما يتقنها الطالب يكتسب أداة تمكِّنه من فهم المعارف المعقدة، وتوطينها فكريّاً. وفي ظل العولمة، ومحاولات التنميط الثقافي، تعمل اللغة العربية حصناً للهوية، إذ إن الوعي اللغوي العميق هو أساس الإسهام الحضاري المتميز. كما تملك اللغة مرونة اشتقاقية نادرة، تجعلها قادرة على استيعاب أي مصطلح علمي، أو تقني جديد، ويتعيّن على المنهج العصري استثمار هذه المرونة لتدريب الطالب على توليد المصطلحات، والتعبير عن العلوم الحديثة بلغة عربية سليمة وواضحة.
ولا تكمن المشكلة في اللغة العربية نفسها، فهي لغة غنية ومرنة، بل في آلية التعليم والتخطيط المنهجي. ولكي يتحوّل المنهج من عائق إلى دافع، ينبغي أن يتبنّى مقاربة وظيفية وإبداعية تُركّز على الكفاءة التواصلية في سياقات الحياة والإعلام الجديد، مع دمج المحتوى اللغوي بمحتوى العلوم والتكنولوجيا، لتصبح العربية لغة التفكير والبحث العلمي. وعندما نُدرِّسها بصفتها مفتاحاً للابتكار، لا مادةً للحفظ، ستتحرّر من قيود المناهج التقليدية لتواكب طموحات أجيال المستقبل.إن مناهجنا اليوم بحاجة إلى مراجعة شاملة، نحتاج إلى مناهج تبني المعرفة، وتكون جسراً بين التراث والثقافة من جهة، والمعاصرة والثورة الرقمية من جهة أخرى. ويجب أن نتحول فوراً إلى منهج وظيفي وإبداعي، تُدرس فيه اللغة العربية بصفتها أداة للتفكير والابتكار، وتكون مرتبطة بعمق بالعلوم والتكنولوجيا والفنون. إن اللغة العربية حصن هويتنا، وأداة تفوقنا النقدي، ويجب ألا نُعلِّمها بصفتها وسيلة للحفظ، بل مفتاحاً للسيطرة على المعرفة وصناعة المستقبل.
الأستاذة الدكتورة/ عائشة الشامسي
*رئيس قسم اللغة العربية في جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية.


