في مجالس القيادة، حيث تُصاغ المعاني، وتُختبر القيم، يحرص سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، وهو يستقبل قادة العالم، على أن يُدخل إلى الحديث لمسة إنسانية عميقة، تختصر فلسفة العلاقات، وتكشف عن سرِّ النجاح فيها. وكثيراً ما يردد سموه، بابتسامته الهادئة وبلاغته العفوية، المقولة الإنجليزية الشهيرة: «It takes two to Tango»، ثم يشرحها بلغة بسيطة، ولكنها غنية بالمعاني: إن أي علاقة، سياسية كانت أو اجتماعية أو إنسانية، لا يمكن أن تُبنى، وتستمر، إلا إذا التزم طرفاها معاً بروح المشاركة والتفاهم.
ويتحول هذا التعبير البسيط على لسان سموه إلى مبدأ قيادي راسخ، يذكِّر ضيوفه بأن الشراكة مسؤولية متبادلَة، وأن الانسجام لا يولد من طرف واحد، وهو مبدأ لا يقتصر على العلاقات الدولية فحسب، بل يصلح أن يكون قاعدة نسترشد بها في حياتنا اليومية، من الأسرة إلى العمل، ومن الصداقة إلى القيادة، إذ وجدت الدراسات السياسية في نظرية «الاعتماد المتبادل» أن العلاقات الأكثر استقراراً بين الدول هي تلك التي تُبنى على التزامات متبادلة، لا على مواقف أحادية. ويذكِّرنا هذا المبدأ، في السياسة والدبلوماسية، بأن العلاقات بين الدول لا تُبنى على النيات الحسنة وحدها، ولا على التصريحات العابرة، بل على التزامات متبادلة تترجَم إلى أفعال ملموسة.
وقد جسد صاحب السمو رئيس الدولة هذا النهج في سياسته الخارجية، فهو ينظر إلى الشراكات بصفتها طريقاً ذا اتجاهين، إذ لا يكفي أن تقدم دولة واحدة كل اللازم لإدامة العلاقة بين أطرافها، بل يجب أن تبذل كل الأطراف جهداً متساوياً يضمن استدامة التعاون، فتحولت دولة الإمارات، بهذا الفهم، إلى شريك موثوق به عالمياً، لأنها التزمت بما تقول، وطالبت الآخرين بالالتزام بالمثل. ولذلك تقوم القيادة في العمل المؤسسي على المبدأ نفسه، فالقائد مهما بلغ من الحكمة لا ينجح وحده، بل يحتاج إلى فريق متناغم يتحرك على نغمة إيقاع واحد. وكما لا يكتمل جمال رقصة التانغو إلا بتوافق الشريكين، فإن القيادة الرشيدة لا تؤتي ثمارها إلا إذا تجاوب الفريق مع رؤى قائده بالالتزام والعمل الجاد، ومن هذا المنطلق تتحول المسؤولية إلى شراكة، ويرى كل موظف نفسه جزءاً من صناعة الإنجاز، لا مجرد منفِّذ لتوجيهات عليا. ولعل أعمق ما في هذه الحكمة أنها تتجاوز حدود السياسة والمؤسسات، لتلامس حياة الناس اليومية، ففي الأسرة لا يكتمل الاستقرار إنْ لم يتحمل الزوجان المسؤولية بالتساوي. وفي الصداقة لا تدوم المودة إن لم يتبادل الأصدقاء الوفاء.
وفي المجتمع لا ينهض البناء إن لم يشارك الجميع في تحمُّل الأعباء. وقد عبر الموروث العربي عن هذا المعنى منذ القدم بقولهم: «يد واحدة لا تصفق»، وهي حكمة متوارثة تتلاقى مع المعنى نفسه الذي تلخصه رقصة التانغو. وفي المحصلة، فإن مقولة «It takes two to Tango» ليست مجرد استعارة يرددها صاحب السمو رئيس الدولة، حفظه الله، في مجالسه، بل هي قاعدة ذهبية تصلح أن تكون بوصلة للحياة بأسرها، فهي تذكِّرنا بأن كل علاقة، صغيرة كانت أو كبيرة، تقوم على التزام متبادل، وأن الانسجام لا يتحقق إلا إذا تقدم كل طرف خطوة نحو الآخر، وحين نستلهم هذا المبدأ في السياسة والقيادة والحياة اليومية، فإننا نغرس بذور الثقة، ونبني جسوراً من التفاهم تدوم طويلاً. وهكذا، فإن دولة الإمارات بقيادتها وشعبها اختارت أن تؤدي رقصة التانغو مع العالم، رقصة قوامها التفاهم والالتزام، وإيقاعها الثقة المتبادلة، وهدفها بناء مستقبل آمن ومستدام.
د. ناصر حميد النعيمي
الأمين العام لمجلس التوازن


