تعود علاقات الهند مع العرب عموماً، ومع مصر ودول الخليج العربي خصوصاً، إلى جذور ضاربة في التاريخ. فقد جمعت بينهما علاقات متواصلة على المستويات الشعبية والاقتصادية والتجارية والثقافية والفكرية، أسّست لرابط متين يستند إلى خلفية حضارية شرقية عميقة. وقد حرص الرؤساء المصريون المتعاقبون، من جمال عبد الناصر إلى عبد الفتاح السيسي، على زيارة الهند للعب دور محوري في تعزيز هذه الروابط بين البلدين.
شهد الأسبوع الماضي حدثاً مهماً، حيث عقدت الهند ومصر الأسبوع الماضي أول حوار استراتيجي بينهما، في تطور مهم يُمثل مرحلة جديدة من العلاقات بين البلدين لتعزيز الروابط بينهما. وجاء الحوار بالتزامن مع زيارة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي إلى الهند، حيث اتفق الجانبان على استكشاف مجالات جديدة للتعاون والتركيز على تعزيز الشراكة في مجالات مثل المركبات الكهربائية، والأمن الغذائي، والدفاع، والتكنولوجيا، والشركات الناشئة. كما يسعى البلدان إلى التوسع في التعاون في مجالات الطاقة المتجدِّدة، والذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا المالية، والأمن الغذائي، إضافة إلى الاستثمار والطاقة والدفاع. كما اتفق البلدان على التطلّع إلى استكشاف الإمكانات في البنية التحتية الرقمية العامة والعقاقير الطبية والابتكار والطاقات المتجددة.
يمثّل هذا التوجّه محاولة من البلدين لبحث التعاون في مجالات ناشئة جديدة، وهو بلا شك تطوُّر مهم، إذ يهدف إلى إدخال العلاقات التاريخية بين البلدين إلى عالم الحداثة والتكنولوجيا. وأكد وزير الشؤون الخارجية الهندي «سوبرامانيام جايشانكار»، الذي ترأّس الحوار عن الجانب الهندي، أن هذا الحوار يُشكِّل «محطة بارزة في مسار العلاقات بين البلدين»، مشيراً إلى أن الحوار الاستراتيجي بين الهند ومصر يُمثل علامة فارقة في العلاقات، إذ يشهد الآن تعاوناً متعمقاً بين البلدين في مختلف المجالات، وأن الاتصالات السياسية بينهما ظلت «قوية ومستدامة». كما أضاف أن التبادلات في مجالي الدفاع والأمن قد نمت بين الدولتين، بينما تستمر التجارة والاستثمار في تحقيق نتائج واعدة.
بالنسبة للهند، تُعدّ مصر بوابة مهمة لأفريقيا وأوروبا عبر قناة السويس، وفي الوقت نفسه، يجمع البلدين تاريخٌ مشترك من خلال حركة عدم الانحياز. فقد كان كلا البلدين عضوين مؤسسين في هذه الحركة التي شكّلت أساساً للتعاون بينهما. في الوقت نفسه، تنظر مصر إلى الهند كلاعبٍ رئيسي في منطقة المحيطين الهادئ والهندي، وتحرص على تعزيز العلاقات الاقتصادية معها، نظراً لكون الهند من أسرع الاقتصادات نمواً في العالم.
كما تحرص مصر على استقطاب الشركات الهندية للاستثمار في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، التي تقدم حوافز استثمارية واسعة وإعفاءات ضريبية وجمركية كبيرة. وتُعد هذه المنطقة منطقة حرة ومركزاً تجارياً على طول قناة السويس. وأكد وزير الخارجية بدر عبد العاطي أن مصر لديها منطقة صناعية خاصة للصين وروسيا، وأنها ترحّب بإقامة منطقة صناعية هندية أيضاً ضمن المنطقة الاقتصادية لقناة السويس. وأشار إلى أن مصر تقدّم جميع أنواع التسهيلات والحوافز للشركات الهندية الراغبة في الاستثمار.
تتمتع الهند ومصر بروابط اقتصادية متنامية، حيث تعتبر الهند مصر من أهم شركائها التجاريين في أفريقيا. وقد تم توقيع اتفاقية التجارة الثنائية بين البلدين عام 1978. وبلغ حجم التبادل التجاري بينهما 5.2 مليار دولار في عامي 2024-2025، وشملت صادرات هندية بقيمة 3.84 مليار دولار وواردات مصرية بقيمة 1.3 مليار دولار. كما استثمرت نحو 55 شركة هندية أكثر من 4 مليارات دولار في مصر.
وعلاوة على ذلك، وقّعت شركات الطاقة المتجددة الهندية «ReNew» و«OCIOR» مذكرات تفاهم بقيمة 12 مليار دولار مع الحكومة المصرية لإنشاء محطات لإنتاج الهيدروجين الأخضر. كما أن هناك استثمارات هندية إضافية قيد التنفيذ تتراوح قيمتها بين 700 و800 مليون دولار. وبلغت الاستثمارات الهندية في مصر خلال العام المالي 2023-2024 أكثر من 175 مليون دولار.
وقد أبدت الهند رغبتها في تعزيز علاقاتها مع مصر عندما وجّهت دعوة إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي ليكون ضيف الشرف في احتفالات يوم الجمهورية الهندي عام 2023 - وهو تقليد تحرص الهند فيه على دعوة زعماء الدول التي تعتبرها ذات أهمية خاصة. وفي العام نفسه، زار الرئيس السيسي الهند مرة أخرى للمشاركة في قمة قادة مجموعة العشرين، كما قام رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بزيارة رسمية إلى مصر. وخلال تلك الزيارة، تم توقيع اتفاقية لرفع مستوى العلاقات الثنائية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية. كما مُنح مودي وسام النيل، وهو أعلى وسام مدني مصري.
واليوم، ومع تاريخ مشترك ورؤية مستقبلية متقاربة، تنطلق الهند ومصر في مرحلة جديدة من علاقاتهما، قائمة على التعاون في الابتكار، التكنولوجيا المالية، الأمن السيبراني، الذكاء الاصطناعي، البنية التحتية الرقمية، الصناعات الدوائية، الشركات الناشئة والطاقة المتجددة - مما يجعل آفاق المستقبل بين البلدين في تصاعد مستمر نحو شراكة استراتيجية واعدة.
*رئيس مركز الدراسات الإسلامية - نيودلهي


