العمل في القاموس، هو كل فعل يكون من الإنسان بقصد، تمييزاً له عن الفعل الذي يكون بغير قصد. ولا يستعمل «الشغل» في أصل اللغة العربية إلا «للعارض الذي يُذْهل الإنسان»، وإن كان يستعمل اليوم مرادفاً للعمل في الأدبيات الفلسفية المعاصرة.  إن العمل في التداول العربي لا ينسب إذن إلا إلى الإنسان، وهو معطى جدير بالتأمل، وأكدته الفلسفات المعاصرة ونافحت عنه. فكيف يكون العمل أخصّ بالإنسان؟ وبأي جهة يصدر عن الإنسان عملاً فعاّلاً ومنتجاً؟ 
نزعم أولاً أنه في البدء كان العمل على مذهب من زعم أسبقية «الإنسان الصّانع» على «الإنسان المفكر»، فإذا وجد الإنسان الثاني في فلسفة ديكارت ما يؤكد أهمية الفكر في الوجود الإنساني، فإن الإنسان القديم وجد في نظرية التطور الداروينية، التي شغلت الناس قديماً وحديثاً، ما يؤكد هوية الإنسان الأولى. وتؤكد الفلسفة القرآنية هوية الإنسان كائناً مؤمناً عاملاً، فلا هوية إلا جامعة لنظر وعمل.
يؤكد ماركس أنه في الوقت الذي يغيّر فيه الإنسان الطبيعة فهو «يغير طبيعته الخاصة به، وينمي الملكات الكامنة فيه»، في علاقة قوية بين الصّانع والمفكر في الإنسان، إذ إن ما يميز الشغل عند الإنسان، ويجعله خاصاً به أكثر أن النتيجة التي يصل إليها بجهده توجد بشكل أولي وقبلي في مُخيلته، فلا عمل منتجاً عند الإنسان دون خُطّة سابقة.
إن هوية الإنسان تتحدد بمجمل أفعاله ومجمل إنتاجاته، وهي صيحة أطلقتها الفلسفة الوجودية من شوبنهور إلى مارتن هايدجر، فلسفة جعلت «الوجود أسبق من الماهية»، فلا يمكن الحديث عن ماهية إنسان إلا من خلال جهده المشفوع بإرادته المستقلة وحريته في اختيار ماهيته المؤسسة لوجوده الإنساني. لقد أولت الوجودية العمل مكانة كبيرة، وجعلته المحدّد الأساس لجوهر الوجود الإنساني.
لكن بأي جهة يكون العمل منتجاً وفعالاً في تحقيق الهوية ومدداً لمسيرة المجتمع؟ تعدّدت الطرق وتنوّعت الوسائل في ذلك. نجد أولاً أن المجتمع، باعتباره مجتمعاً أخلاقياً، كما يؤكد دوركايم، يجعل الفرد يشتغل لخدمة مجتمعه، مما يخلق لديه شعوراً قويا بتبعيته لهذا المجتمع الذي يحضنه مما يُوَلِّد عنده تقديراً لذاته باعتباره عضواً فاعلاً في مجتمعه.
 لكن يبدو أن أهم إنجاز معاصر في خصوبة العمل وسرعة إنتاجيته هو «تقسيم العمل»، وهو أحد مبادئ الإدارة الأربعة عشر التي ابتكرها هنري فايل، والتي جعل منه دوركايم نزّاعاً «إلى جعل الوظائف أكثر حيوية واستمراراً». 
يُقصَدُ بـ«تقسيم العمل» «العمل المتخصّص في مهمّة واحدة فقط»، والقصدُ من ذلك «رفع كفاءة العامل وتعزيز إنتاجيته مع الوقت»، ومن أهمّ إيجابيات تقسيم العمل تسريع عملية الإنتاج مع الإتقان في المنتوج، لكنّي أعتقد أنّ الإيجابية الكبرى في تقسيم العمل هي «تمكين الموظّفين من التخصّص في مجال عمل محدد»، الأمر الذي يُكسب المؤسسة خبراء، ويجعل لها اسماً بين غيرها من المؤسسات المنافسة. 
لقد مكّن تقسيم العمل البشرية في عصورها الحديثة من إحداث طفرة قوية في رفع الكفاءات العلمية وتجويد الإنتاجات، ولعله أن يحرك بعقلانية وثقة هذا التّنافس المحمود الذي حثّت عليه الأعراف الدّينية والفلسفية، والذي يؤزُّ الأفراد إلى تحقيق هوياتهم بشكل أفضل، وإلى إنتاج أعمال مفيدة لمجتمعاتهم بشكل أتقن.
من «الإنسان الصّانع» إلى «الإنسان المفكر» إلى «الإنسان العالم  العامل»، مراحل متداخلة لا تدل على تحقيب تاريخي بقدر ما تدلُّ على أن الإنسان كائن متعدد الأبعاد، لكنه لا يخرج عن معادلة العلم والعمل في تحقيق كينونته، وخدمة مجتمعه، والإخلاص لمؤسسته في نجْوَةٍ عن «استلاب العمل» وانعكاساته السّلبية على الأفراد والمؤسسات..

*مدير مركز الدراسات الفلسفية بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية.