تنتشر عشرات الندوات والمؤتمرات واللقاءات الثنائية من أجل التفاوض على اتفاقيات في الاستثمار وترتيبات تنموية، بينما تنشب حروبٌ يصعبُ إخمادها رغم الوساطات الكثيرة في دولٍ ومناطق هي الأكثر حاجةً للاستقرار وسكانها هم الأكثر حاجةً للعيش الكريم.
أمّا مؤتمرات واتفاقيات التنمية والاستثمار، فتجري بين الدول أو بين المنظمات الدولية والجهوية التي تُشاركُ فيها الدول. وهي علاقاتٌ في المدى الطويل وفيها توازُنٌ وسعةٌ وتحقيقٌ لمصالح مشتركة. صحيحٌ أنّ بعض الدول المحتاجة للمساعدة، والتي تشارك في هذه اللقاءات، تتعرض لضغوطٍ مع البنك الدولي أو صندوق النقد الدولي مثلاً، لكن ثمَّة بنود وترتيبات منتظمة تحمي من التفاوت الفادح أو الاستغلال، كما أنّ مشاركين مقتدرين في هذه المؤسسات يكونون عادةً من حصة العاجز والضعيف والمضطر.
ما العلاقة بين سياسات التنمية والاستقرار وانفجارات الحروب العبثية؟ ليست هناك علاقة وثيقة بين الظاهرتين. والأحرى القول بأنّ منظمات الإقراض والتنمية المستدامة يقع من ضمن أهدافها الحفاظ على الاستقرار في البلدان الضعيفة والهشَّة. كما أنّ بلدان القدرة تُسارع عادةً للتدخل والوساطة عندما تحدث نزاعاتٌ بين دولٍ متجاورة أو بدواخل تلك الدول، لمنع التخريب ومعاناة المدنيين.
للحروب المحلية المشتعلة اليوم أسباب متنوعة. ففي بلدان الساحل الأفريقي وعلى حدودها، مثلاً، كانت الحركات المتطرفة (الإثنية والدينية) موجودة، وتكافحها مع جيوش تلك البلدان قواتٌ فرنسية ومعها في النيجر قوات أميركية. لكن قبل ثلاث سنوات وبشكلٍ متوالٍ جرت انقلابات عسكرية وإصرار على طرد الفرنسيين في ثلاث دول بحجة الماضي الاستعماري وعدم الحسم مع المتمردين المتطرفين. إنما محلّ القوات المبعدة حلّت في كل دولة قواتٌ روسية. ولم يحصل نتيجة ذلك تقدمٌ ملموسٌ في مكافحة الإرهاب، بل سيطر المسلحون المتمردون على نواحٍ جديدة. ماذا يعني ذلك؟ لا شكّ في أنّ المتمردين هناك هم قوى للفوضى والجريمة والانقسامات القبلية. لكنّ بعض الجيوش في الساحل الأفريقي على الأقلّ تغيرت أدوارُها، إذ ما عادت قوى موحدةً للاستقرار، بل تحوّلت إلى فريق تغلب عليه عناصر من قبيلةٍ معينة، يواجهها المتمردون من قبائل أخرى.
ولنلتفت إلى النزاعات في اليمن وليبيا والسودان. في اليمن اضطربت البلاد على وقع ما سُمّي «الربيع العربي» عام 2011. لكن بدلاً من الآمال الديمقراطية العظيمة، سيطر تنظيم طائفي مسلَّح على المناطق الجبلية بالشمال، وصولاً إلى العاصمة صنعاء ثم مدن وبلدات الساحل، وكاد يسيطر على جنوب اليمن أيضاً، لولا الدعم العربي للشرعية.
لا دورَ للجيش اليوم في الانقسام باليمن، لكنْ له دورٌ في الانقسام بالسودان، حيث يبرز نموذج للخراب الذي أسهم فيه الجيش عندما دعم في عام 2002 إقامةَ ميليشيا بدارفور الثائرة. ثم أشركها معه عند إزالة حكم البشير عام 2019، ثم تمردت عليه ونشب قتال هائل لسنوات حتى عادوا أخيراً للاستيلاء على دارفور! أما في ليبيا، وهي دولة غنية بالثروات ولا تشكو ما يشكوه السودان، فإنّ الجيش انقسم بين شرقٍ وغرب ومعه انقسمت الدولة حتى الآن، رغم الوساطات الكثيرة والمستمرة.
لا شك في أنّ هناك تدخلات في بلدان الاضطراب، لكنّ النزاعات في معظمها محلية: صراعات بين القبائل، وبين النُّخَب.. على المال والإدارة.
وهكذا، فهناك نموذجان في العالم العربي وجواره الأفريقي: نموذج الدولة الوطنية، دولة الاستقرار والتنمية، ونموذج بلدان الاضطراب العسكري والاجتماعي.
*أستاذ الدراسات الإسلامية - جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية


