بحضورٍ عربيٍ عالي المستوى ودوليٍ واسعٍ ومتنوعٍ وفي حفلٍ راقٍ احتفلت مصر بافتتاح المتحف المصري الكبير الذي استغرق بناؤه 20 عاماً، وتجاوزت تكلفته المليار دولار، وتتوقع مصر أن يستقطب خمسة ملايين زائر سنوياً، وقد أقيم هذا الحفل التاريخي الكبير بمشاركة 79 وفداً رسمياً، بينهم 39 وفداً يترأسهم ملوك وأمراء ورؤساء دول وحكومات.
ببساطةٍ فكل قيمةٍ حسيةٍ أو معنويةٍ يمكن تحويلها في هذا الزمن إلى مصدر دخلٍ، فالعالم ما زال يحتفل بتاريخه وماضيه، بغض النظر عن المكان والزمان، وذلك دون شكٍ دليل تحضرٍ، وقد أحسنت مصر إعادة تعريف نفسها للعالم بحضارتها العريقة المليئة بالمبهر من الإنجازات والمشوّق من الألغاز، وكان مهماً حرص الدولة المصرية على ربط ماضيها المجيد بحاضرها ومستقبلها، ومن هنا قال الرئيس السيسي: «اليوم ونحن نحتفل معاً بافتتاح المتحف المصري الكبير نكتب فصلاً جديداً من تاريخ الحاضر والمستقبل، فهذا أكبر متحف في العالم مخصص لحضارة واحدة حضارة مصر التي لا ينقضي بهاؤها».
لنرجع قليلاً إلى التاريخ الحديث، قرناً من الزمان، ففي 1922 اكتشف البريطاني هوارد كارتر بعد عناءٍ، مقبرة «توت عنخ أمون» وكان ذلك الاكتشاف حدثاً إنسانياً عالمياً لم تزل أصداؤه تتكرر بعد أكثر من مئة عامٍ، وهو اكتشافٌ أثار جدلاً طويلاً يتعلق بهوية مصر وتاريخها وحضارتها، وجلب لها السياح والباحثين والمتخصصين في صنوفٍ شتى من العلوم، ولكن أجمل من عبّر عن تلك اللحظة التاريخية من حياة البشرية كان أمير الشعراء حقاً وصدقاً أحمد شوقي، قيل أن كارتر عندما فتح المقبرة اضطر للدخول حبواً من الباب حين فتحه، ومن هنا كتب ذلك الشاعر العملاق كلماتٍ هي حقاً من سحر البيان النادر والمعجز، يقول فيها عن كارتر: أفضى إلى ختم الزمان ففضه/ وحبا إلى التاريخ في محرابه وطوى القرون القهقرى حتى أتى/ فرعون بين طعامه وشرابه إن الأدب والشعر والفنون هي التي تخلّد اللحظات التاريخية في حياة الأمم، تلك التي يبنيها العلماء والمفكرون والعاملون المجتهدون كل في مجاله.
فهنيئاً لمصر استعادة أمجادها وتاريخها وحضارتها، ولعلها توفق فعلاً في ربط أمجاد الماضي بالحاضر والمستقبل، ولكن من جهةٍ أخرى في نفسه اللحظة التاريخية المصرية تقع أحداث «الفاشر» المأساوية في السودان، الدولة العربية الأولى التي يمرّ فيها نهر النيل الخالد ثم يصل إلى مصر، وهو نهرّ جرت حوله صراعاتٌ تاريخية ومعاصرةٌ كبرى، أثارت الكثير من الجدل وعبّر عن حجم الصراعات الإقليمية والدولية في منطقة الشرق الأوسط والقرن الأفريقي تحديداً.
على طول تاريخ السودان لم يشهد مثل ما جرى في العقود الثلاثة الماضية، وذلك حين استولت على السلطة فيه «جماعة الإخوان المسلمين» عبر انقلابٍ عسكري قاده «عمر البشير» تأثراً بفكر وسياسة «الإخواني» المعروف «حسن الترابي» فكانت ثلاثة عقودٍ عجافٍ على السودان وأهله، بحيث حدث التقسيم الكبير للسودان واستقلال دولة «جنوب السودان»، وتم بناء جيشٍ وقواتٍ مسلحةٍ على عقيدة «جماعة الإخوان» عبر جيلٍ كاملٍ بحسب ابن خلدون، وعندما جرى الانقلاب على حكم البشير، كان كثيرٌ من قادة الجيش ينتمون بحكم تربيتهم الطويلة لعشرات السنين للفكر الإخواني، وتحالفوا مع قوات الدعم السريع، ثم لم يلبث الخلاف بين الطرفين أن أشعل الفوضى والحرب الأهلية في السودان المغلوب على أمره. أخيراً، فلئن غفلت أميركا عن السودان لأنها ليس لها مصالح مباشرةٌ فيه، وبقيت الدول العربية تدعم السلام والاستقرار فيه، رغبةً في إنهاء الفوضى.
*كاتب سعودي


