في الثاني من ديسمبر تحتفل دولة الإمارات بعيد الاتحاد الرابع والخمسين، في عام يكتسب بُعداً خاصّاً بإعلانه عاماً للأسرة؛ وليس هذا الإعلان مجرد مبادرة رمزية، بل تعبير عن رؤية قيادية ترى في الأسرة حجر الأساس لبناء الإنسان، وصياغة الهوية، وترسيخ القيم التي قامت عليها الدولة منذ تأسيسها؛ فالأسرة الإماراتية ليست وحدة اجتماعية فحسب، بل منظومة متكاملة من الحب والانتماء والمسؤولية. هي المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الأبناء معنى الاحترام، وأهمية العمل، وقيمة الوطن. وقد تجاوز مفهوم الأسرة في دولة الإمارات إطار الأسرة الصغيرة ليشمل الأسرة الكبيرة التي تضم كل من يعيش على هذه الأرض المباركة؛ فهي عائلة واسعة تحمل اسم «إماراتي»، تجمع المواطن والمقيم في نسيج واحد يقوم على الاحترام المتبادل، والتعايش، والالتزام بقيم الدولة.
ونرى في شخص صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، تجسيداً حياً لهذه القيم الأسرية النبيلة؛ فصوره مع أبنائه وأفراد عائلته، وتعامله الأبوي الرفيق مع الأطفال، واحترامه للكبير والصغير، كلها مشاهد تعبِّر عن قائد يرى في الأسرة ركيزة لبناء الوطن؛ وهكذا لا يغدو حضور سموه العائلي مجرد مثال يُحتذى به؛ بل دليلاً على أن روح الاتحاد تتجلى في أسمى صورها داخل كل أسرة إماراتية، حين يقودها قائد يشكل قدوة ملهمة في السلوك والقيم.
ومع هذا الحضور المتجذر لقيم الأسرة في المجتمع يصبح من الطبيعي أن تتجه السياسات الوطنية نحو ترسيخها؛ عبر مبادرات عملية تدعم تماسك الأسرة واستقرارها. ومن أبرز هذه المبادرات مبادرة «مديم»، التي توفِّر دعميْن مادياً ومعنوياً لتشجيع الزواج، وتيسير تكوين الأسر، إلى جانب البرامج والمراكز التي تهتم بالإرشاد والتوعية وتعزيز الروابط الأسرية. وبفضل هذا التكامل بين القيم المجتمعية، والمبادرات الوطنية، تظل الأسرة الإماراتية قادرة على مواجهة التحديات، ومهيأة لتنشئة جيل يحمل الراية، ويواصل المسيرة.
وقد أثبتت دولة الإمارات، بشهادة تقارير عالمية مرموقة، مثل تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي، وتقرير «الإيكونوميست»، أنها من بين الدول الأكثر أمناً وتنافسية وجودة في الحياة؛ فمدينتا أبوظبي ودبي تتصدران قوائم المدن الأكثر أماناً، لا من حيث الأمن المادي فقط، بل من حيث الأمنين المجتمعي والروحي. ولم يكن ذلك وليد المصادفة؛ بل ثمرة رؤية استراتيجية جعلت الإنسان محور التنمية، والأسرة البيئة الحاضنة له.
وفي كل زيارة خارجية أقوم بها، وفي لقاءاتي ممثلي الدول، ألمس الإعجاب العميق بتجربة دولة الإمارات في بناء وحدتها الوطنية. إشادات متكررة تعبِّر عن احترام لتجربة وطن استطاع أن يحول الاتحاد إلى قصة نجاح ملهمة تستقي منها الدول دروس التلاحم والنهضة؛ فقد غدت دولة الإمارات نموذجاً في تحويل التنوع إلى مصدر قوة، والانتماء إلى طاقة إيجابية توحد ولا تفرق، وتبني ولا تهدم.
وفي خضم تسارع الحياة وتغيراتها تبقى قيم التلاحم والجيرة القديمة جوهر هويتنا؛ تلك القيم التي تربينا عليها في الأحياء البسيطة، حيث كان الجار سنداً، والصغير يحترم الكبير، والمناسبات تجمع القلوب قبل البيوت؛ فليكن عام الأسرة فرصة لإحياء تلك القيم، ولتعليم أبنائنا أن الأسرة الإماراتية ستظل دائماً الحصن الأول للوطنية، والمدرسة الأولى للإنسانية، والمصدر الأصيل للهوية؛ فعندما تكون الأسرة قوية؛ يكون الوطن أكثر صلابة، ويكون الاتحاد أكثر رسوخاً وامتداداً.
د. ناصر حميد النعيمي*
*الأمين العام لمجلس التوازن


