متحف التاريخ الطبيعي في أبوظبي ليس مجرد مشروع جديد يضاف إلى قائمة المشاريع الثقافية في دولة الإمارات، بل هو رسالة واضحة تؤكد أن الإمارات تولي أهمية كبيرة للبحث العلمي، وفهم تاريخ الأرض.
يُعد افتتاح متحف التاريخ الطبيعي أبوظبي في 22 نوفمبر 2025 خطوة استراتيجية تؤكد التزام دولة الإمارات العربية المتحدة بتعزيز المعرفة والبحث العلمي، وترسخ مكانتها كمنارة ثقافية عالمية، فهذا الصرح الجديد لا يأتي بوصفه وجهة سياحية أو ثقافية فحسب، بل كمؤسسة علمية متكاملة تعكس رؤية بعيدة المدى تستهدف بناء مجتمع معرفي، يضع العلم في صميم التنمية والازدهار.
يمثل المتحف إضافة نوعية إلى مشهد الثقافة والعلوم في دولة الإمارات، تجمع بين عرض تاريخ الكون والأرض والحياة على مدى 13.8 مليار سنة، وبين تقديم محتوى علمي حديث بأساليب مبتكرة، ما يشكل نقلة نوعية في مسيرة الاستثمار الثقافي والمعرفي، إذ لا يقتصر دور المتحف على العرض البصري أو التعليمي، بل يتجاوزه إلى تعزيز البحث العلمي من خلال مختبرات مجهّزة ومراكز متخصصة في علوم الحفريات والأحياء والبيئة والجيولوجيا.
وبمساحة تفوق 35 ألف متر مربع، صممت شركة الهندسة المعمارية الرائدة «ميكانو» متحف التاريخ الطبيعي أبوظبي ليحاكي التكوينات الصخرية الطبيعية، مما يعكس هدفه المتمثل في تعزيز فهم العالم الطبيعي، وليصبح هذا الصرح جزءاً من مجتمع عالمي أوسع من متاحف التاريخ الطبيعي العالمية.
ومن المتوقع أن يكون المتحف مركز جذب للباحثين من مختلف أنحاء العالم، وبيئة محفزة لإجراء الدراسات والأبحاث في مجالات ذات أهمية كبرى، مثل التغير المناخي، والمحافظة على التنوع البيولوجي، وفهم النظم البيئية، ويشكل هذا المزج بين العرض العام والبحث العلمي نموذجاً متقدماً للمؤسسات العلمية الحديثة، وخطوة رائدة في المنطقة العربية، حيث تشكل المعرفة العلمية حجر الزاوية في مواجهة تحديات عالمية متسارعة.
كما يسهم المتحف، إلى جانب دوره العلمي، في ترسيخ الوعي البيئي لدى المجتمع، ففي وقت يشهد العالم فيه تغيرات مناخية وتراجعاً في التنوع الحيوي، يصبح المتحف منصة مهمة لنشر ثقافة الاستدامة والتوعية بأهمية حماية البيئة، فقصص الانقراض وأسباب تدهور الأنظمة البيئية المعروضة فيه تجعل الزائر أكثر إدراكاً لمسؤولية الإنسان تجاه كوكبه، وهنا يظهر دور المتحف في بناء ثقافة بيئية جديدة، تقوم على فهم العلاقة بين الإنسان والطبيعة، والتحذير من استمرار ممارسات تضر بالأرض ومستقبل الأجيال.
ويبرز المتحف قيمة الإرث الطبيعي في المنطقة العربية، إذ يعرض حفريات نادرة اكتُشفت في دولة الإمارات وشبه الجزيرة العربية، مما يؤكد أن هذه المنطقة، رغم طبيعتها الصحراوية الحالية، كانت عبر التاريخ موطناً لبيئات غنية وكائنات متنوعة، وهذا الوعي بالتاريخ الطبيعي يعزز الشعور بالهوية البيئية، ويفتح الباب أمام المزيد من الاكتشافات العلمية التي قد تغيّر فهمنا لجغرافيا المنطقة عبر العصور.
ولا شك أن افتتاح متحف التاريخ الطبيعي في أبوظبي يبرهن على حقيقة مهمة، مفادها أن الاستثمار في الثقافة والعلم ضرورة وطنية، فالمشاريع العلمية الكبرى تمنح الدول القدرة على تشكيل مستقبلها عبر المعرفة، وتخلق جيلاً جديداً من الباحثين والمفكرين القادرين على قيادة مسارات التنمية، وفي ظل المتغيرات العالمية المتسارعة، تصبح مثل هذه المؤسسات حجر الأساس في بناء مجتمعات واعية، تسهم في الاقتصاد المعرفي، وتشارك في صياغة الحلول العلمية للتحديات الدولية.
وبهذه الرؤية الطموحة، يتحول المتحف من مجرد مبنى يعرض الماضي إلى منصة مبتكرة لتوقعات المستقبل، ومن وجهة تعليمية تقليدية إلى مركز بحثي متقدم قادر على جذب العلماء والمفكرين من مختلف أنحاء العالم، ويجسد هذا الصرح الثقافي العلمي رؤية دولة الإمارات الطموحة في أن تكون في طليعة الدول التي تجعل من المعرفة قوة دافعة لنهضتها، ومن البحث العلمي أساساً راسخاً للتطور، ورافداً رئيسياً للابتكار والإبداع في جميع المجالات.
إن متحف التاريخ الطبيعي في أبوظبي ليس مجرد مشروع جديد يضاف إلى قائمة المشاريع الثقافية في دولة الإمارات، بل هو رسالة واضحة تؤكد أن الإمارات تولي أهمية كبيرة للبحث العلمي، وفهم تاريخ الأرض، وحماية البيئة والحياة الفطرية، ومن هنا يمكن القول إنه يمثل خطوة حضارية جديدة ذات أبعاد علمية وعالمية.
*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.


