لم يأتِ قرار إدارة الرئيس دونالد ترامب بتصنيف فروع من جماعة «الإخوان» على لوائح الإرهاب من فراغ، ولا هو مفاجئ لمن راقب مسار المنطقة، هو أقرب إلى إقرار متأخر بحقيقة سبقت إليها عواصم عربية، في مقدمتها دولة الإمارات، حين رأت في التنظيم مشروعاً يقدّم الولاء للأيديولوجيا على حساب الدولة الوطنية. لم يأتِ هذا التحول الأميركي من فراغ، فطوال سنوات، رُوِّج لـ«الإخوان» في عواصم غربية بوصفهم «إسلاماً معتدلاً» يمكن المراهنة عليه لاحتواء التطرّف.
لكن ما كشفه العقد الأخير، من تجربة حكمهم في مصر إلى تورط بعض أذرعهم في تشابكات مع حركات مسلّحة، هو أن الخلل ليس في الشعارات، بل في طبيعة التنظيم عندما يتحول إلى مشروع سلطة مغلق يضع حساباته الأيديولوجية فوق منطق الدولة وأولوياتها. من يعود إلى تاريخ الجماعة منذ تأسيسها عام 1928 يدرك أننا لا نتحدث عن «حزب محافظ»، بل عن تنظيم استخدم العمل الخيري والتعليم الديني لبناء شبكة ولاءات مغلقة. وكلما أُتيح له هامش في المجال العام، انتقل من خطاب الوعظ إلى مشروع هيمنة على المؤسسات، واحتكار لتفسير الدين، ودفع للمساجد والمنابر إلى قلب الصراع السياسي، بما فتح الباب لشرعنة العنف وظهور أذرع متطرفة.
الأخطر أن هذا المشروع لا يتردد في نسج تحالفات متناقضة مذهبياً كلما خدم ذلك أجندته. يكفي النظر إلى بعض الحركات المرتبطة بـ«الإخوان» في غزة، التي رفعت شعارات المقاومة الدينية، وربطت بقوى إقليمية توظّفها كورقة ضغط في صراعات تتجاوز حدود القضية الفلسطينية. هذا التشابك بين الإسلام السياسي والشبكات المسلحة جعل كثيراً من دول المنطقة ترى في الجماعة بيئةً منتجة لعدم الاستقرار، لا مجرد معارضة سياسية تقليدية. ومن يتأمل ما جرى في السودان يدرك أن ما نراه ليس صراعاً بين جنرالين، بل حصيلة ثلاثة عقود من حكم «الإنقاذ» الذي حمل بصمة «الإخوان»، دولة جرى تفكيك مؤسساتها، وتلغيم الجيش والأمن والاقتصاد بولاءات أيديولوجية، حتى باتت بنية رخوة. الحرب هناك ليست سوى الوجه الأشد قسوة لمنطق واحد: تحويل التنظيم إلى دولة موازية، ثم جرّ المجتمع إلى الاحتراب حين يفلت زمام السيطرة. في الخليج، كانت دولة الإمارات من أكثر الدول استباقاً في قراءة كلفة ترك المجال مفتوحاً أمام الإسلام السياسي، وحسمت موقفها بتصنيف جماعة «الإخوان» تنظيماً إرهابياً، لا من باب الخصومة الفكرية، بل انطلاقاً من منطق الدولة: لا شريك في الولاء، ولا تنظيم فوق القانون.
واستثمرت في نموذج تنموي يراهن على التعليم والاقتصاد والمعرفة، لتقدّم بديل جذاب عن شعارات التعبئة الأيديولوجية، وتؤكّد أن طريق المستقبل يمر عبر دولة وطنية قوية واقتصاد مزدهر ومجتمع متنوع. قرار واشنطن يضيف وزناً دولياً إلى هذا المسار، فهو يضيّق على مصادر التمويل، ويشدد الرقابة على الحركة وشبكات الضغط والإعلام في الغرب، خصوصاً تلك التي أمضت سنوات في تلميع صورة الجماعة.
سيحاول التنظيم الالتفاف على القرار بتبديل الأسماء والواجهات، لكن البيئة الدولية لم تعد مستعدة لتصديق الأقنعة، ولا لتركها تتحرك بالحرية ذاتها.
ليست الولايات المتحدة وحدها المعنية. فالدول التي مازالت تجامل جماعات الإسلام السياسي أو تحتفظ بها كورقة احتياط في لحظات الارتباك، مدعوة لقراءة القرار كجرس إنذار مبكر: المستقبل لمنظومات سياسية وطنية مستقرة، لا لشبكات أيديولوجية تعيش على الأزمات. وحين يلتقي هذا المسار القانوني في واشنطن مع موقف عربي وإقليمي حازم، ومع إدراك دولي متزايد لخطورة توظيف الدين في الصراع السياسي، يتحول تصنيف «الإخوان» من إجراء أميركي في عاصمة بعيدة إلى محطة فاصلة في طيّ صفحة الإسلام السياسي المتطرف.
*كاتب إماراتي


