تعاني أميركا اللاتينية نقصاً في الحوار الصريح. فقد استهلكت الفجوة الأيديولوجية بين الحكومات اليسارية واليمينية المشهدَ السياسي، تاركةً القادةَ عاجزين - أو غير راغبين - في بناء جسور التواصل ومواجهة التحديات المشتركة التي تواجهها بلدانهم؛ من انعدام الأمن وتهريب المخدرات إلى ركود النمو، وضعف التكامل التجاري.
 لا شيء يُجسّد هذا التصدّع أفضل من تأجيل قمة الأميركيتين، التي كان من المقرر عقدها في جمهورية الدومينيكان مطلع ديسمبر الجاري، والتي أُلغيت بسبب «اختلافات عميقة في الرأي» بين المشاركين. كما تم تخفيض مستوى اجتماع منفصل بين القادة الإقليميين والأوروبيين، هو قمة الاتحاد الأوروبي وجماعة دول أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي في سانتا مارتا (كولومبيا)، والتي بدأت الأحد الماضي وسط توترات بين الحكومة المضيفة وواشنطن.
 قد يجادل البعضُ بأن الوقت ليس مناسباً أصلا لعقد اجتماعات إقليمية بينما يستعد الجيش الأميركي لتحرك محتمل ضد فنزويلا، ويُغرق قوارب، ويقتل أشخاصاً في البحر الكاريبي والمحيط الهادئ دون سند قانوني واضح. ربما كانت قمة «بونتا كانا» ستُعقد لو أكّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب حضورَه. لكن ترامب لم يُظهر اهتماماً كبيراً بالدبلوماسية متعددة الأطراف، حيث ألغى مشاركتَه في قمة الأميركيتين لعام 2018 في بيرو في اللحظة الأخيرة.
صحيحٌ أيضاً أن العالم يعاني من وفرةٍ في القمم التي نادراً ما ترقى إلى مستوى التوقعات. ومع ذلك، تبقى النتيجة النهائية: يُظهر قادة أميركا اللاتينية عجزاً مُذهلًا عن الاجتماع والإنصات وإيجاد أرضية مشتركة للتوصل إلى حلول جماعية أفضل. هذا التوجه ليس جديداً، لكن تكاليفه آخذة في الارتفاع. وكما جادل الرئيس الكوستاريكي السابق «كارلوس ألفارادو كيسادا» مؤخراً في مجلة «أميركاز كوارترلي»، فإن أميركا اللاتينية «تفتقر إلى سردية مشتركة تمنحها معنىً وتوجهاً».
 وفي الوقت الذي تحظى فيه أميركا اللاتينية بأكبر قدر من الاهتمام الدولي منذ جيل، وفي الوقت الذي بدأ فيه ترامب يعد خططاً كبيرة للمنطقة (قد تشمل أو لا تشمل الاستماع لما يريد اللاتينيون قولَه)، يستمر قادتُها في التعثر على الساحة العالمية، ما يقوّض المصالح الاستراتيجية للقارة. لقد تفاقمت المواجهات الدبلوماسية والشخصية: فالعلاقات بين الأرجنتين والبرازيل مجمّدة وسط العداء العلني بين خافيير ميلاي ولويز إيناسيو لولا دا سيلفا. وقد اشتبك جوستافو بيترو في كولومبيا مع نصف القارة، بما في ذلك الحلفاء المتشابهون معه أيديولوجياً. وتبادلت البرازيل ونيكاراجوا طردَ السفراء رغم التقارب الأيديولوجي والصداقة القديمة بين قادتهما. كما فقدت المؤسسات الإقليمية، مثل منظمة الدول الأميركية، الكثيرَ من ثقلها ونفوذها.وقد أدى الاستخدام السياسي المفرط لنظام اللجوء، بذريعة الدفاع عن حقوق الإنسان لكنه الواقع لحماية الحلفاء الأيديولوجيين في الدولة الأخرى، إلى زيادة توتر العلاقات الثنائية. ثم هناك الحالات الأكثر تعقيداً: الاتهامات الموجهة للحكومتين الفنزويلية والنيكاراجوية بإصدار أوامر باغتيال خصوم سياسيين في المنفى داخل دول مجاورة.

والآن، ومع قيام ترامب علناً بدراسة خيارات عسكرية مختلفة للتدخل في فنزويلا، تجد أميركا اللاتينية نفسَها متفرجةً في قصتها الجيوسياسية الخاصة، عاجزة عن تقديم حل إقليمي، ومفوّضة مستقبل فنزويلا إلى «العمّ سام». وتشير التجارب التاريخية إلى أن مثل هذه التدخلات نادراً ما تنتهي كما تخيّلها الاستراتيجيون في واشنطن. لكن لا يبدو أن البيت الأبيض في عهد ترامب يمتلك خطة شاملة لليوم التالي، وهذا بافتراض أن الخطط الأميركية حققت هدفها المباشر، وهو أمرٌ يبدو مستبعداً. وفي أسوأ السيناريوهات، قد تستمر هذه الأزمة لسنوات بسبب سيطرة التشافيزية على البلاد.
 وبدلاً من الانغماس في خلافات جانبية، ينبغي على حكومات أميركا اللاتينية الاستعدادَ لما قد يأتي. إن أي عمل عسكري أميركي في فنزويلا، حتى ولو صُوّر على أنه حرب ضد تجار المخدرات، ستكون له تداعيات هائلة. يحتاج القادة إلى التفكير في ما هو أبعد من صراعاتهم الداخلية. وقد يُبقي نهجُهم الحزبي في السياسة الخارجية قواعدَهم الشعبية مُحتشدةً، لكن ذلك يأتي على حساب مصداقية بلدانهم.
يقترح ألفارادو كيسادا أربع أفكار معقولة لتجاوز الانقسامات الإقليمية، من وضع الأيديولوجيا في الخلفية، إلى رعاية قادة جدد قادرين على التفكير عبر الحدود. وأود أن أضيف أنه على رؤساء اليوم أن يتعلموا درساً من ترامب نفسه. فبعد أن أدرك أن ضغوطه على «لولا» كانت غير مجدية، غيّر موقفَه واحتضن زعيم البرازيل كما لو كانا صديقين منذ وقت طويل. كانت تلك لحظة نادرة من البراجماتية التي تحتاجها أميركا اللاتينية بشدة، بدءاً من لولا المتشبث بأفكاره، والذي لا يزال مؤيداً لنظام فنزويلا. 
يحرص سكان أميركا اللاتينية على وصف بلدانهم بأنها شعوب شقيقة. قد يكون ذلك خطاباً شاعرياً، لكنه يشير إلى حقيقة ينبغي لقادتهم تبنّيها: النهج المشترك في معالجة المشاكل الإقليمية سيكون دائماً أفضل من الانفراد.
 *كاتب متخصص في شؤون أميركا اللاتينية


ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»