وثيقة استراتيجية الأمن القومي، المكوّنة من 29 صفحة، والتي أصدرها البيت الأبيض الأسبوع الماضي، سيكون أحد تأثيراتها الرئيسية تشجيع خصوم «الناتو» وتثبيط عزيمة حلفاء أميركا، وخاصة في أوروبا. إنها تعكس رؤية «لنجعل أميركا عظيمة مجدداً».
الوثيقة تمجّد دونالد ترامب باعتباره «رئيس السلام»، فيما تقوم فيه القوات المسلحة الأميركية بتفجير قوارب يقال إنها لتهريب المخدرات، وقتل ركابها، دون تقديم مبررات قانونية واضحة. وتقول الاستراتيجية إنه «تجب مواصلة تحسين العلاقات التجارية (وغيرها) مع الهند»، في حين أن هذه العلاقات تضررت جداً جراء الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب بنسبة 50%. كما تتعهد الاستراتيجية بـ«الحفاظ على القوة الناعمة للولايات المتحدة»، رغم أن الإدارة تقوّض أدوات القوة الناعمة الفعلية مثل «صوت أميركا» و«الوكالة الأميركية للتنمية الدولية». وتدعو الاستراتيجية إلى «إعادة إحياء ثقافة الكفاءة، واستئصال ما يسمى بالتنوع والإنصاف والشمول وغيرها من الممارسات التمييزية وغير التنافسية»، وكأن كل الأشخاص في الإدارة جرى تعيينهم بناءً على الكفاءة. وحتى مع الإشادة بـ«الكفاءة والجدارة»، تضيف الوثيقة أنه «لا يمكننا السماح باستخدام مبدأ الجدارة كذريعة لفتح سوق العمل الأميركية أمام العالم بحجة البحث عن المواهب العالمية التي تضر بالعمال الأميركيين». 
ليس كل ما ورد في استراتيجية الأمن القومي لترامب يمثل خروجاً عن نهج الإدارات السابقة، فالوثيقة تقول إن «الرئيس ترامب قلب وحده أكثر من ثلاثة عقود من الافتراضات الأميركية الخاطئة بشأن الصين: ومنها أن فتح أسواقنا للصين سيُسهّل إدماجها فيما يسمى النظام الدولي القائم على القواعد». لكن إدارة جو بايدن تخلت عن هذا الافتراض ضمن سياستها الخارجية «من أجل الطبقة الوسطى».
غير أنها في نواحٍ أخرى، تمثل الاستراتيجيةُ قطيعةً جذريةً مع الماضي. فقد تضمنت استراتيجية بايدن لعام 2022 أكثر من 12 إشارة إلى حقوق الإنسان، أما استراتيجية ترامب فلا تحتوي على أي منها. كما احتوت استراتيجية بايدن على أكثر من 12 إشارة إلى تغير المناخ، أما استراتيجية ترامب فتخلو تماماً منها.
والأمر الأكثر إثارةً لقلق الغربيين هو أن استراتيجية بايدن تضمنت إدانةً قويةً لـ«الحرب الروسية في أوكرانيا»، بينما خلت استراتيجية ترامب من أي استنكار. صحيحٌ أن استراتيجية ترامب للأمن القومي تؤيد «بقاء أوكرانيا كدولة قابلة للحياة»، لكنها لا تذكر شيئاً عن إعادة أوكرانيا إلى حدودها الدولية، أو الحفاظ على ديمقراطيتها، أو تلقي ضمانات أمنية.
 وهذا إلى جانب أن استراتيجية الأمن القومي رفضت أيَّ توسع إضافي لحلف «الناتو»، مما يُلبي مطلباً رئيسياً لروسيا. لذا قال المتحدث باسم الكرملين إن استراتيجية الأمن القومي الأميركية «تتوافق إلى حد كبير مع رؤيتنا».
وفي حين أن هذه الوثيقة صامتة تماماً بشأن بعض وقائع الحرب الروسية الأوكرانية، فإنها تبدو سلبية إزاء حلفاء أميركا الأوروبيين ومواقفهم فيما يتعلق بالحرب، إذ تقول: «تجد الإدارةُ نفسَها على خلاف مع المسؤولين الأوروبيين الذين لديهم توقعات غير واقعية بشأن الحرب، جاثمين على حكومات أقلية غير مستقرة، وكثير منها يدوس على المبادئ الأساسية للديمقراطية لقمع المعارضة. غالبية كبيرة من الأوروبيين يريدون السلام، لكن هذا الرغبة لا تنعكس في السياسات، إلى حد كبير بسبب تقويض تلك الحكومات للعمليات الديمقراطية». وهذا أمرٌ يصعب فهم معناه. وتدّعي الوثيقة أن أوروبا تواجه «اندثاراً حضارياً»، وتُحذّر من أنه «في غضون بضعة عقود على الأكثر، ستصبح أغلبية أعضاء حلف الناتو غير أوروبية»، وهي تعني بذلك غير البِيض. وفي قسمها المُتعلق بالشرق الأوسط، تقول وثيقة استراتيجية الأمن القومي: «يجب أن نُشجّع ونُرحّب بالإصلاح متى وأينما ظهر بشكلٍ طبيعي، دون محاولة فرضه من الخارج»، وذلك على النقيض من موقفها تجاه أوروبا، حيث تُركّز الإدارة على فرض التغيير من الخارج، طالما أنه في اتجاهٍ غير ليبرالي.

*زميل بارز في مجلس العلاقات الخارجية

 ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لاينسج آند سينديكيشتن»