لم تعُد المنافسة الدولية تُقاس فقط بعدد حاملات الطائرات أو بحجم الناتج المحلي، بل بقدرة الدول على امتلاك مفاتيح الثورة التكنولوجية الجديدة: من المعادن الحيوية والطاقة إلى الرقائق وبنية الحوسبة والبيانات، وصولاً إلى منظومة الذكاء الاصطناعي التي تعيد ترتيب الاقتصاد العالمي. ومن هذا المنطلق يمكن فهم تحالف «باكس سيليكا» الذي تقوده واشنطن بوصفه محاولة لتأسيس «سلام تكنولوجي» يقوم على تحصين سلاسل الإمداد وبناء ثقة اقتصادية-تقنية، بدل الارتهان لنقاط اختناق قد تتحوّل إلى أدوات ضغط.
الاسم بحد ذاته يحمل رسالة: «باكس» تستدعي السلام والاستقرار، و«سيليكا» تلمّح إلى السيليكون الذي تقوم عليه الرقائق، وهي في قلب اقتصاد الذكاء الاصطناعي. لذلك لا يبدو التحالف مجرد نادي سياسي، بل محاولة لصياغة نظام أمان اقتصادي-تقني، حتى إن بعض التوصيفات شبّهته بدور مجموعة السبع، ولكن هذه المرة في عصر الذكاء الاصطناعي وسلاسل الإمداد. فالمقصود حماية المكوّنات، التي تمكّن الدول من التطوير والتطبيق والتوسّع من التعدين والتكرير، إلى التصنيع واللوجستيات، وصولاً إلى الرقائق ومراكز البيانات وبنية الحوسبة.
الاجتماع الذي عُقد في واشنطن في 12 ديسمبر 2025 جمع دولاً تُوصَف بأنها تمتلك الحلقات المحورية في سلسلة إمداد اقتصاد الذكاء الاصطناعي عالمياً. وبينما تشير تغطيات إلى أن «الإعلان» وقّعت عليه مجموعة من المشاركين فقط، فإن المعنى السياسي الأهم ليس التوقيع وحده، بل حضور الإمارات ضمن الحلقة التي تُناقش قواعد «اقتصاد الذكاء الاصطناعي» من موقع الشريك لا من موقع المتلقي.
هنا تتجلى ميزة النموذج الإماراتي في فهم التحولات الجديدة باعتبارها ما بعد الثورة الصناعية، لا مجرد موجة رقمية. وهي مرحلة تُبدّل معها خرائط التجارة والنفوذ. ولذلك، تُراكم الإمارات عناصر قوتها بهدوء. بنية متينة، وروابط دولية، وشراكات واسعة، لتكون نقطة وصل بين الشرق والغرب، لا ساحة تنازع بينهما.
فلسفة الإمارات في مثل هذه المنصات هي إدارة المخاطر لا صناعة الخصومات، إذ تقوم على تنويع الشراكات ومصادر التكنولوجيا، ورفع الجاهزية عند الأزمات، ووضع قواعد واضحة للتعاون والاستثمار بما يعزّز الاستقرار ويخدم التجارة العالمية. فالعالم لا يحتمل صراعاً صفرياً على الرقائق والمعادن والطاقة، بل يحتاج إلى منافسة منضبطة تُبقي الابتكار متدفقاً وتخفّف اضطرابات الإمداد. ومن هنا تستطيع الإمارات تقديم قراءة مختلفة، أكثر اتساقاً مع نهجها.
وفي هذا السياق، تأتي دلالة الطرح الإماراتي متزنة التوجه: فبدل النظر إلى «باكس سيليكا» كاصطفاف في مواجهة أطراف أخرى، يمكن تقديمه وفق المنطق الذي تفضّله الإمارات كإطار لتحصين سلاسل الإمداد، وتوسيع فرص الاستثمار المشترك، ورفع القدرة على الصمود أمام الأزمات، وعلى أنه سلام قائم على الاعتمادية المتبادلة المنضبطة، وشراكات التكنولوجيا بوصفها طريقاً للازدهار والاستقرار، لا بوابة لصراع مفتوح.
التوازن الإماراتي وفق منطق «سلام السيليكون» لا يعني المفاضلة بين الشركاء، بل توسيع دوائر التعاون بضوابط واضحة. فالعلاقة مع الصين، على سبيل المثال، هي شراكة تنموية تتجاوز التجارة إلى الطاقة والتكنولوجيا والبنية التحتية، وقد بلغت التجارة الثنائية نحو 102 مليار دولار في 2024، بما يعكس ثقة متبادلة ومساراً مرشحاً للنمو.
في زمن الذكاء الاصطناعي، لا تُقاس مكانة الدول فقط بما تملكه، بل بما تستطيع أن تصل بينه. بين المال والتقنية، وبين الطاقة والابتكار، وبين الشرق والغرب. والإمارات بحضورها في هذه المنصات تؤكد أنها لا تكتفي بقراءة التحول العالمي، بل تشارك في هندسة المستقبل.
*كاتب إماراتي


