لم يكن الحديث في برنامج «المجلس» على قناة «الكأس» الرياضية خطأً لغوياً، ولا زلّة تعبير عابرة، بل كان مثالاً واضحاً على انزلاق المقارنة الرياضية إلى مساحة أوسع تمسّ الوعي والهوية. فحين نقارن لاعبين من آسيا ولاعبين من أفريقيا في سياق فني بحت، فهذا أمر طبيعي في عالم الرياضة، لكن الإشكال يبدأ عندما تتحوّل هذه المقارنة، ولو ضمنياً، إلى إطار ذهني قابل للتعميم، يرسّخ تقسيماً نحن العرب أصلاً غارقون فيه.
لقد بدأنا، نحن العرب، بتقسيم أنفسنا تقسيماً قارياً: عرب آسيا وعرب أفريقيا، متناسين أن دولتنا الإسلامية وحضارتنا العربية امتدّت عبر ثلاث قارات: آسيا وأفريقيا وأوروبا، ولم تُبنَ يوماً على خرائط القارات، بل على اللغة والدين والتاريخ والمصير، ثم انتقلنا بسلاسة إلى تقسيم إقليمي: خليج، مشرق، مغرب، وشرق أوسط، وكأن هذه التصنيفات قدر لا نقاش فيه. وبعدها رسّخنا التقسيم الوطني، ثم لم نكتفِ، فعدنا إلى ما هو أضيق: القبيلة، والطائفة، والمنطقة.
هكذا، وبلا مقاومة حقيقية، بنينا بأيدينا هرماً كاملاً من التقسيم، طبقة فوق طبقة، حتى أصبح الانقسام هو الحالة الطبيعية، وأصبح الحديث عن الوحدة استثناءً يحتاج إلى تبرير. الأخطر من ذلك أننا لم نُجبَر على هذا المسار بالقوة، بل سِرنا إليه طوعاً، عبر اللغة، والإعلام، والتطبيع اليومي مع المصطلح.
ما يحدث ليس مؤامرة صاخبة تُدار في الغرف المغلقة، بل دسّ هادئ للسم في الخطاب العام. يُقدَّم لنا في صورة نقاش رياضي، أو توصيف تحليلي، أو مقارنة فنية، فنبتلعه بشراهة، ثم نتساءل لاحقاً: كيف تفرّقنا إلى هذا الحد؟ الحقيقة المرة أنَّ جزءاً كبيراً من الجواب يكمن في أننا تقبّلنا التقسيم قبل أن يُفرض علينا.
اللغة حين تُستخدم بلا وعي، تُحوّل المقارنة إلى قناعة، والتوصيف إلى هوية، والمرحلة إلى قدر دائم. وعندما يعتاد المشاهد العربي على سماع نفسه مُجزّأً قارياً، ثم إقليمياً، ثم وطنياً، ثم قبلياً، فإنَّه يفقد تدريجياً الإحساس بالانتماء الأكبر، ويصبح الدفاع عنه أمراً نظرياً لا جذور له في الوعي اليومي.
الإعلام، وخصوصاً الإعلام الرياضي، يتحمّل مسؤولية مضاعفة. فهو يخاطب الوجدان، ويصل إلى الشباب، ويعمل في مساحة أقل توتراً من السياسة، ما يجعل الرسائل المبطنة تمرّ بسهولة أكبر. هنا لا يُطلب من الإعلام أن يرفع شعارات، بل أن يكون دقيقاً، واعياً، مدركاً لحدود الكلمة، لأنَّ الكلمة قد تبدو تحليلاً عابراً، لكنها قد تتحوّل إلى لبنة جديدة في جدار الانقسام.
مشروع التقسيم الأكبر للعرب لا يقوم فقط على الجيوش والحدود، بل يقوم على تفتيت الوعي. ونحن، للأسف، نُسهِم فيه حين نستهين بالمصطلح، ونبرّر الانزلاق، ونخلط بين المقارنة الفنية والتصنيف الهويّاتي. السم لا يُسكب في أفواهنا قسراً، بل يُقدَّم لنا في كأس أنيق، فنشربه من دون تردّد.
وهنا يجب أن نتوقف. لا رفضاً للنقاش، ولا خوفاً من المقارنة، بل دفاعاً عن الحدّ الفاصل بين التحليل والتفكيك، وبين الرياضة والهوية، وبين الاختلاف الصحي والانقسام القاتل.
*لواء ركن طيار متقاعد


