بالنسبة للجيل إكس، وهو المجموعة الديموغرافية التي تلي جيل طفرة المواليد وتسبق جيل الألفية، لم تكن هناك إشارة أوضح على بلوغ سن الرشد من مفتاح المنزل. كان رمزاً للاستقلالية بعد المدرسة، بعيداً عن أعين شخصيات السُّلطة الرقابية. وكانت هذه الاستقلالية الجديدة هدية بقدر ما كانت ضرورة، فالتزامن بين ازدياد الأسر ذات الدخلَين وارتفاع معدلات الطلاق في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي أدى إلى بيوت خالية بعد الظهر في أيام الأسبوع، ما حوّل جيلاً كاملاً من الأطفال إلى ما يُعرف بـ «أطفال المفاتيح» (أطفال يعودون إلى منازلهم دون رعاية).
في سنوات تكويننا، تعلَّم أبناء الجيل إكس، مثلي، الاعتمادَ على أنفسهم وأصبحوا خبراء في رعاية شؤون آبائهم. كانت الحرية مقرونة بالمسؤوليات، بما في ذلك الأعمال المنزلية والواجبات المدرسية، ورعاية الإخوة والأخوات الأصغر، والحرص على عدم إتلاف الأشياء.
ولفترة وجيزة من كل يوم دراسي، كنا نملك زمام الأمور. واليوم، وقد بلغ هذا الجيل منتصفَ العمر، بات يتولى زمامَ الأمور في وقت لا يثق فيه سوى 17% من الأميركيين بحكومة بلدهم. ويعتقد أكثر من 80% من الأميركيين أن الديمقراطية في أزمة أو تواجه تحدياتٍ خطيرةً. والخطوة المنطقية لأمة تشعر بهذا الشكل هي الشروع في إصلاحات جوهرية لتحسين تصميم الحكومة وتقوية بنيتها، وهو ما فعلته أجيال سابقة ويدعمه معظم الأميركيين.
لكن بدلاً من ذلك، يسود خضوعٌ مُعيق للسلطة، وللوضع الراهن، وللهياكل الديمقراطية الراسخة، التي باتت تتصرف كمعاقل حزبية. والبلاد بحاجة ماسة إلى إصلاح قائم على المبادئ. فهل الجيل إكس مؤهل لهذه المهمة؟ يبقى الأمر رهناً بالتطورات المستقبلية.
فقد أظهر الباحثون أن أخلاقيات العمل لدى هذا الجيل تتسم بالإبداع والواقعية والاستقلالية. لكنهم وجدوا أيضاً أنه يفتقر إلى الحزم، وأنه «الأكثر تشاؤماً بين جميع الأجيال، مع قلة الثقة بالشركات، أو الولاء المؤسسي أو السلطة». وفي الوقت الحالي يميل الجيل إكس، أي 65 مليون شخص وُلدوا بين عامي 1965 و1980، إلى تأييد الحزب الجمهوري، ففي انتخابات عام 2024، لم يكن هناك جيل أكثر تأييداً لترامب.
ولكنه في الوقت ذاته أكثر تقدميةً من الأجيال الأكبر سناً في القضايا الاجتماعية كالهجرة، والعلاقات العرقية، والإجهاض.. إلخ. وبهذا، يعكس الجيل إكس نفسُه الانقسامَ الحزبيَّ في البلاد، فالذين وُلدوا قبل عام 1973 يمارسون سياسةً أكثر محافظةً من أولئك الذين وُلدوا بعد ذلك، والذين يميلون أكثر إلى دعم «الديمقراطيين».
وقد وصفهم علماء الاجتماع بأنهم «الجيل ذو التوقعات المنخفضة والإنجازات العالية». أسهمت طفولة «أطفال المفاتيح»، التي اعتاد أفرادُها على البقاء في منازلهم دون رعاية، في ترسيخ سياسة تقوم على الوصاية والمسؤولية، وهي السمة التي تُميز الجيل إكس اليوم. فبين جيل طفرة المواليد الذي صعد إلى قمة المؤسسات، وجيل الألفية الذي يفضّل القيادة التحويلية، يشكّل الجيل إكس جسراً بين هذين الجيلين الأكبر حجماً ويحمل في طياته سمات كليهما. فهو يَجمع بين احترام والديه للمؤسسات والهياكل، وبين إدراكه بأن التغيير الواسع والتقدم ضروريان لمواكبة العصر.
وقد أصبح هذا الحس جزءاً متنامياً من الحكومة، فالجيل إكس هو الآن أكبر كتلة في مجلس النواب الأميركي، ويضم أربعة من القضاة التسعة في المحكمة العليا، ويمثّل الحصة الأكبر من القوى العاملة الفيدرالية. ليس الأمر أن الجيل إكس غير قادر على التكيف، فقد نشأ أفرادُه في ظلّ ركود اقتصادي وتضخم، وفضيحة ووترجيت، وانتشار الإيدز، ونهاية الحرب الباردة. لكنّ اللحظة الراهنة تتطلب أكثر من مجرد إدارة، إنها تحتاج إلى أفكار جديدة، وأنظمة جديدة، وتجديد ديمقراطي.. أي إلى تطلعات عالية وإنجازات عظيمة.
لقد عدّلت الأجيالُ السابقة الدستورَ، ووسّعت نطاقَ الوصول إلى التصويت، وأعادت التوازن بين السلطة الفيدرالية وسلطات الولايات، وأعادت هيكلة المؤسسات العامة لمواكبة التغيرات الاجتماعية والثقافية. وعلى النقيض من ذلك، شهد الجيلُ إكس فترةً طويلةً من الركود المؤسسي، متقدماً داخل نظام عتيق تأخَّرَ كثيراً عن الإصلاح.
وكان التعديل الدستوري الوحيد الذي تمّ التصديق عليه خلال فترة نضجهم متعلقاً برواتب أعضاء الكونجرس، وهو ما يجسّد طبيعة هذا الجيل العملية المحبطة. ورث الجيل إكس هذه البنى القائمة، من محاكم وهيئات تشريعية ومناصب حكومية، وعليه الآن إعادة بنائها أو إفساح المجال لمن سيعيدون بناءَها. ثمة شعورٌ متزايد بأن التاريخ سيتجاهل هذا الجيل، إذ تشير التقارير إلى تزايد استبعادهم من مناصب الرؤساء التنفيذيين، وربما يكون هذا الجيل هو الذي يفشل في الوصول إلى الرئاسة. نشأت هذه الأجيال على الامتنان وإدراك أن أجيال آبائهم وأجدادهم قد بذلت جهوداً جبارةً، حيث انتصرت في حروب عالمية، وتغلّبت على أزمات اقتصادية، وأرست الحقوق المدنية، وتحوّلت معهم البلادُ إلى قوة عالمية. ومع بلوغ الجيل إكس منتصفَ العمر، ظهر ترامب بخطابٍ حافلٍ بالحنين إلى الماضي، ساعياً إلى تحسين البلاد عبر استعادة صورة أميركا المتخيلة التي رسمها شبابُ الأجيال السابقة، تلك الصورة التي تعلمنا تبجيلها. هذا الأمر بالغُ الأهمية، لأن الديمقراطية لا تقوم على الاكتفاء الذاتي.
إنها تتطلب تحديثات وتجديدات لا تسمح لها بالبقاء متشبثةً بالماضي. لم تكن عودة ترامب إلى السُّلطة مجرد مسألة تذمُّر شعبوي أو ولاء حزبي، بل كانت كذلك نتيجة توجُّه فقدَ ثقةَ الشعب، وجيل يستجيب بالخضوع للمؤسسات بدلاً من تغييرها.
إنّ امتلاك مفاتيح المنزل لا يدل على القدرة أو الاستعداد للقيادة، بل هو مسؤولية بلا سُلطة. الجيل الأميركي الذي نشأ وهو يشاهد الكبارَ يديرون المؤسسات بشكل غير كامل، يشغل الآن مراكز السلطة نفسها، مُكلَّفاً بالإدارة في عصر يتطلب قيادةً، وبالتمسك بالتقاليد في وقت يحتاج إلى إعادة تصميم. لقد كانت الاستقلالية، التي كانت يوماً حرية مؤقتة في منزل ما بعد المدرسة، مكافأة للإدارة الرشيدة بقدر ما هي مسؤولية لإعادة صنعها من جديد.
*كاتب متخصص في قضايا الديمقراطية والهوية الأميركية.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»


