التاريخ هو ذاكرة الشعوب الحيّة، فالأمم التي تمتلك وعياً تاريخياً هي تلك التي تحرص على توثيق تجاربها، والاحتفاظ بسجلٍّ واضح لتدوين أعمالها، وكتابة التاريخ هنا ليست ترفاً، فالأمم التي تعرف تاريخها جيداً، وتفهمه بعمق، هي الأقدر على صياغة حاضرها ورسم مستقبلها بوعي.
وقد اتفق الخبراء على أن التاريخ هو فعل وفاء للذاكرة الإنسانية، وأنه حماية لما صنعته يد الإنسان وروحه عبر سنوات طويلة، حيث يحمل في جوهره سردية الحياة بما تختزنه من قيم وتجارب تشكّل وجدان الشعوب، وتُسهم في بناء الحضارة الإنسانية الجامعة.
ليس غريباً إذن أن تحرص الدول على كتابة تاريخها وتوثيق الأحداث الكبرى التي مرت بها، فالتاريخ ليس مجرد سردٍ لما مضى، بل هو أحد أعمدة بناء الوعي وصناعة المستقبل، وفي الإطار ذاته يكون الحرص على إبراز مكانة الرموز والقيادات الاستثنائية والزعامات التاريخية صاحبة البصمة، والتي كان لها دور مؤثر في تحقيق الإنجازات.
وفق هذه الرؤية، يمكن لنا فهم دوافع القرار الذي أصدره قبل أيام سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الدولة، نائب رئيس مجلس الوزراء، رئيس ديوان الرئاسة، بتشكيل «اللجنة الوطنية لسردية الاتحاد» على أن تُعنى بتوثيق التسلسل الدقيق للأحداث المتعلقة بقيام دولة الإمارات العربية المتحدة، باستخدام المصطلحات والمرادفات، وصياغة الوثيقة الرسمية المعتمدة لسردية الاتحاد.
وكما علَّمنا الوالد المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، فإنه (لا مستقبل لمن ليس له ماضي)، حيث لا نستطيع فهم الحاضر واستشراف المستقبل من دون قراءة جيدة للتاريخ، واستلهام الدروس والعِبَر من مجرياته، كما لا يمكن فهم الواقع السياسي أو الاجتماعي أو الثقافي لأي دولة بمعزل عن تاريخها، فالتاريخ يشرح كيف تشكّلت المؤسسات، وكيف تطورت الأفكار، ويروي لنا جانباً من الصعاب التي صاحبت عملية البناء في مراحله الأولى.
وعلى ضوء التحديات التي تواجه العالم اليوم، سوف تتصدى اللجنة بكل حزم لمحاولات تشويه موقف الدولة أو الادعاء عليها بما يخالف الحقيقة، وهذه نقطة جوهرية خاصة مع انتشار فوضى المعلومات الخاطئة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والتي سمحت لمن يهرف بما لا يعرف أن يُدلي بدلوه، ويتحدث بكل جرأة وكأنه خبير وعليم ببواطن الأمور في قضايا خطيرة وحساسة.
كما أن الدور المنوط باللجنة التي تضم نخبة وطنية عالية الكفاءة برئاسة معالي أحمد جمعة الزعابي، مستشار صاحب السمو رئيس الدولة، يستهدف ضمان اتساق المحتوى الوطني والإعلامي والتعليمي مع مضامينها، بما يجسّد الدور المحوري للوالد المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، في تأسيس الدولة وترسيخ اتحادها.
ولهذا سوف تتولى اللجنة اعتماد الحملات الوطنية المتعلقة بالاتحاد والرموز الوطنية قبل إطلاقها، والتأكد من اتساقها مع سردية الاتحاد واعتماد المحتوى الوطني في وسائل الإعلام، والمناهج التعليمية، والإصدارات والمطبوعات المختلفة، بالتنسيق مع الجهات الحكومية والمؤسسات المعنية، لضمان الالتزام بالسردية المعتمدة ومراجعتها وتحديثها بشكل دوري وفق المستجدات البحثية والتاريخية الموثوقة، مع الحفاظ على ثوابتها الجوهرية.
ويقتضي عمل اللجنة إلقاء الضوء على إسهامات شعبنا في الحضارة الإنسانية، وإبراز إنجازاتنا العلمية والفكرية والفنية، فمن بين العديد من الإنجازات التي نفخر ونعتز بها، من المهم أن تعلم الأجيال المقبلة الدور الرائد الذي قامت به الإمارات في قيادة المجتمع الدولي لإنقاذ الكوكب ومكافحة الاحتباس الحراري، فضلاً عن دورها الإنساني في إعلاء قيم التعايش والتسامح بين بني البشر دون تمييز بسبب جنس أو ديانة.
إن تشكيل هذه اللجنة خطوة غاية في الأهمية، وربما لن نستشعر فائدتها في وقتنا الراهن، لكن ثمارها ومردودها الإيجابي سوف يجنيه الوطن على المدى البعيد مع تعاقب الأجيال واتساع رقعة المسافة ما بين الأيام والسنوات.
فمن الضروري أن يعرف الأحفاد قصة الأمس، ليس فقط فيما يخصّ التخطيط لعملية البناء، لكن الأهم حقيقة المواقف النبيلة والُمشرِّفة التي اتخذتها الإمارات في العديد من القضايا الإقليمية والدولية، والجميل أن هذه المواقف مدعومة بالوثائق التي تؤكد حقيقة دعم بلادنا للقضايا الإنسانية بكل وضوح وشفافية، بما يعكس المبادئ التي قام عليها الاتحاد منذ اليوم الأول.
كل الدعم لعمل اللجنة ودورها الذي يؤكد بُعد نظر القيادة ورؤيتها المستقبلية، انسجاما مع الإعداد لمئوية دولة الاتحاد في 2071، وبكل يقين لدينا قصة تستحق أن تروى، وأن نفاخر ونعتز بكل تفاصيلها، صفحاتنا ناصعة البياض، فإذا ما أردنا أن نقدمها للعالم، فسوف يطالعها بكل إعجاب وتقدير.


