في خضمِّ التحوّل النوعي الذي تشهده دولة الإمارات العربية المتحدة على مسار التنمية الشاملة، بات البُعد الثقافي يحتل موقعاً متقدّماً ضمن الأولويات الوطنية، بوصفه ركيزة أساسية في بناء الإنسان وتعزيز جودة الحياة، ورافداً محورياً لتحقيق رؤية الإمارات في أن تكون مركزاً عالمياً للفنون والثقافة. 
وفي هذا السياق، تبرز النسخة الثانية من معرض «منار أبوظبي»، التي تنظمها دائرة الثقافة والسياحة في أبوظبي خلال الفترة من 1 نوفمبر 2025 حتى 4 يناير 2026، تحت عنوان «دليلك نجم سهيل»، بمشاركة 15 فناناً ومجموعة فنية من دولة الإمارات والعالم، يمثّلون 10 دول.
ويقدّم المعرض تجربةً فنية متعددة الأبعاد، تستعرض طيفاً واسعاً من الأعمال التركيبية المعاصرة، تشمل المنحوتات والتماثيل والعروض الضوئية والتجارب التفاعلية الغامرة. وللمرة الأولى، يمتد «منار أبوظبي» إلى مدينة العين، ليشمل واحتَي القطارة والجيمي، حيث تتداخل المواقع الأثرية مع التركيبات الضوئية المعاصرة، في تجربة فنية استثنائية تُعيد تسليط الضوء على العلاقة الأزلية بين الماء والأرض والحياة، وتمنح الفضاء العام بُعداً ثقافياً نابضاً بالمعنى والدلالة.
ومن اللافت للنظر أيضاً أن المعرض، الذي يتزامن مع انطلاق مهرجان الحرف اليدوية التقليدية في العين، يصاحبه برنامج عام غني بالحوار وورش العمل والعروض الفنية والموسيقية، ضمن مبادرة «أبوظبي للفن العام»، ما يدلّ على أهمية الفن بوصفه ممارسة اجتماعية حيّة تحوّل الجمهور من متلقٍ عابر إلى شريك فاعل في إنتاج المعنى وصياغته.
وفي الواقع، فإنّ هذا الحدث يعكس مساراً ثقافياً مزدوجاً تنتهجه إمارة أبوظبي، يجمع بين صون الموروث الثقافي الوطني وإحيائه، والانفتاح على الإبداع العالمي المعاصر. وهو مسار ينسجم مع الفكر الاستشرافي لدولة الإمارات في بناء بنية تحتية ثقافية متكاملة، تضم المتاحف والمكتبات والمسارح والمراكز الإبداعية، إلى جانب إقامة مؤسسات وهيئات وطنية تُسهم في ترسيخ منظومة ثقافية ومعرفية مستدامة.
وعند النظر إلى المشهد الثقافي الأوسع في الإمارات، يمكن تلمّس الاهتمام العميق الذي تبديه القيادة الرشيدة تجاه الفنون وصنّاعها، إدراكاً لدور هذا القطاع الحيوي في ترسيخ القيم الثقافية والإنسانية. كما يتجلّى هذا الاهتمام في كل ما تحققه الإمارات من إنجازات ملموسة، عبر احتضانها مؤسسات فنية تعكس امتداد الفن القديم والحديث، وتنظيمها معارض وفعاليات ثقافية ومهرجانات للموسيقى والغناء والموروث التقليدي لمختلف شعوب العالم وحضاراته، فضلاً عن دعم الأدب بمختلف أشكاله، وتشجيع الحرف التقليدية، بوصفها مكونات أصيلة من الذاكرة الثقافية الإماراتية.
وانطلاقاً من إيمانها بأن الاستثمار في الفن ليس ترفاً، بل ضرورة حضارية، واصلت دولة الإمارات دعم الفنون والمبدعين، وأطلقت مبادرات استراتيجية لتعزيز مكانتها على خريطة الإبداع الثقافي العالمي. وفي مقدمة هذه المبادرات، إطلاق الاستراتيجية الوطنية للصناعات الثقافية والإبداعية عام 2021، بهدف النهوض بهذا القطاع وتوسيع نطاقه، ليكون ضمن أهم عشر صناعات اقتصادية في الدولة، وزيادة مساهمته إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2031.
وقد انتبهت دولة الإمارات، منذ وقت مبكر، إلى أهمية إبراز البُعد الإنساني للفنون والثقافة، فعملت على دعم الفنانين الإماراتيين وتعظيم إبداعاتهم، لما لهم من دور في تعزيز الهوية الوطنية، وترسيخ قيم الانفتاح والتسامح والتنوّع الفكري والثقافي. ويؤكد هذا النهج اهتمام القيادة الرشيدة ورعايتها للإبداع الفني والثقافي، وتشجيع المبدعين على إطلاق أفكارهم الخلّاقة، بما يُسهم في تعزيز مكانة الدولة ضمن الدول الأكثر إسهاماً في ترسيخ أسس السلام، وتعميق التفاهم بين الشعوب، باعتبار الفنون أداة فاعلة في تشكيل القيم الجمالية والإنسانية والوطنية.
إن أهمية معرض «منار أبوظبي» لا تنحصر في كثافة الأعمال الفنية أو تنوّع الجنسيات المشاركة فيه فحسب، بل تتجسّد أساساً في كونه امتداداً لجهود متواصلة تبذلها الدولة لصون التراث وتعزيز حضوره في الوعي المعاصر، وترسيخ قناعة بأن الفن والثقافة لا يكتملان إلا بمشاركة المجتمع، وبانفتاح الفضاء العام على الإبداع بوصفه لغة جامعة بين الماضي والحاضر، وبين الإنسان ومحيطه.

*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.